إن الظلمة الأثيرية المادة تخيم مثل عتمة دامسة على هذه الأرض وذلك منذ أمد بعيد! إنها تعانق الأرض معانقة خانقة بنوع من الشدة والصلابة حتى أن كل شعور نوري صاعد يشابه لهيبا يفقد قوته وهو يفتقر إلى الأوكسيجين وسرعان ما يخبو متلاشيا.
إن هذه الحالة الأثيرية المادة لمهولة، فقد بلغت حاليا ذروتها سوءا. ولو سمح لأي إنسان لمدة خمسة ثوان فقط بأن يشهد ما يجري هناك من حوادث لأخذه الفزع الذي سيفقده كل أمل في الخلاص. –
وكل ذلك تسببت فيه خطايا البشر بعينهم، من جراء إثم ميلهم إلى ما هو خسيس ودني. وكانت البشرية في ذلك ألد عدو لذاتها. والآن يتعرض حتى هذه القلة من الناس الذين عادوا يتطلعون جديا إلى الأعلى لخطر أنهم سيقحمون هم الآخرون مع سائر البشر في الهاوية التي يتطور غيرهم من الناس نحوها بسرعة مروعة.
إنه يشابه ضمة شديدة يتبعها حتما الامتصاص المميت الى المستنقع اللزج الشديد الحرارة والرطوبة الذي يغرق فيه غير مسموع كل من دخله. إنه لم يعد بمثابة صراع وإنما بمثابة خنق صامت ومفزع.
أما الإنسان فلا يدركه إذ أنه يعمى عما يجري حوله من حوادث مهلكة نتيجة لخموله الروحي.
على أن المستنقع يرسل باستمرار أشعته السامة التي ترهق شيئا فشيئا كذلك أولئك الناس الذين ما زالوا أقوياء وأيقاظا روحيا كي يغرقوا هم الآخرين نائمين وعاجزين فيه.
هذا هو الوضع السائد في الأرض حاليا. فإنه ليس صورة التي أصفها بذلك بل واقعة حية! بما أن كل ما هو من نوع المادة الأثيرية ذا أشكال خلقتها وأحيتها مشاعر البشر تجري مثل هذه الحوادث حقيقة باطراد. وهذا هو المحيط الذي ينتظر البشر عندما ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة حيث لا يمكن إيصالهم إلى الأعلى نحو البلاد النورية البهية.
على أن الظلمة تزداد كثافة أكثر فأكثر.
وعليه حان الوقت أن تبقى الأرض لأمد معين من الزمن تحت أمر الظلمة وذلك بلا مساعدة مباشرة من النور لأن البشرية تسببت في ذلك قسرا من جراء إرادتها. فلا مناص من هذه النهاية نظرا لعواقب إرادة البشرية بأغلبيتها. – فإنه العصر الذي سمح ليوحنا، حينئذ بأن يراه، العصر الذي سيغطي الله وجهه فيه. –
إن الظلام محيط بكل مكان. ولكن في حالة أشد البأساء، حينما يتعرض الكل، بما في ذلك ما هو أكثر فضيلة، لخطر الغرق، ينبلج في الوقت نفسه الفجر أيضا! غير أن هذا الفجر يأتي أولا بمخاض تطهير حتمي واسع النطاق قبل أن يمكن المبادرة إلى تخليص كل ملتمسي الحقيقة الرزينين إذ أن جميع الذين يسعون إلى ما هو دني لا يمكن مد اليد إليهم من أجل معاضدتهم! إذ حتم عليهم أن تهووا في تلك الهاوية المروعة حيث هي المكان الوحيد الذي يمكن لهم فيه أن يأملوا في الاستيقاظ وذلك عن طريق آلام تجعلهم يشمئزون من أنفسهم.
أما الذين كانوا إلى حد الآن يتهكمون على المتطلعين إلى الأعلى دون أن يعاقبوا، على ما ظهر، فيبيحون صموتا وأكثر استغراقا في التفكير حتى يتضرعوا آخر الأمر مستجدين وناشجين بالحقيقة.
ولكن ثم لن يتيسر الأمر لهم بمقدار ما كان سهل الاتباع من قبل، فسيدخلون حتما بين المطرقة والسندان للنواميس المتصلبة الخاصة بالعدالة الإلهية إلى أن أدركوا خطاياهم وهم يعيشونها. –
قد تبين لي خلال أسفاري أن نوعا من الحريق اندلع في صفوف أرواح البشر المتراخية نتيجة لكلمتي القائلة بأن لا إنسان وهب أية صفة إلهية بينما تذهب الكثير من المساعي المبذولة في عصرنا إلى اكتشاف الله في ثنايا الإنسان كي يتحول هو بنفسه آخر الأمر، انطلاقا من هذا الافتراض، إلى الله!
ولذلك أحدثت كلمتي انزعاج أناس كثيرين. فترمي البشرية متمردة إلى مقاومتها لأنها ليست مستعدة إلا لإرهاف سمعها لكلمات منومة ومهدئة تبدو وكأنها سائغة لطيفة!
إن هؤلاء المتمردين لجبناء الذين يودون لو يختفون من وجه أنفسهم لمجرد ميلهم إلى أن يبقوا في الظلام حيث يتيسر لهم أن ينغمسوا في أحلام وأخيلة ممتعة على هواهم الذاتي.
ولا يتحمل كل إنسان أن يواجه نور الحقيقة الذي يبرز كل العلل والبقع الموجودة على الحلة بجلاء وبلا أية رحمة.
وبالابتسامة أو الهزوء أو العداء يقصدون أولئك الناس إلى الحيلولة دون حلول اليوم القادم الذي ستنكشف فيه القاعدة الخادعة لبنائهم المهلهل أي صنم «الأنا». ولا يمثلون هؤلاء الحمقى إلا دورا في حفلة تنكرية أمام أنفسهم مع أن أربعاء الرماد سيتبعها بصلابة العود. فما يقصدون بمواقفهم الخادعة إلا أن يؤلهوا أنفسهم الأمر الذي يجعلهم يشعرون بالراحة دنيويا. أما الذي يهيجهم من هذه الراحة الخاملة فيعتبرونه من أول الأمر عدوا لهم!
ولكن هذه المرّة لا فائدة ولا جدوى لهم من كل محاولات التمرد!
إن التأله، الذي يتراءى في الادعاء بأن الإنسان وهب من الصفات الإلهية، هو محاولة التحسس القذر لمهابة وطهارة ربكم التي تنتهكون بها القدوس الذي ترفعون بصركم إليه بالثقة ذات الغبطة التامة! –
إن في دخيلتكم يقوم هيكلا يخدم لعبادة ربكم. ويتمثل هذا الهيكل في قدرة شعوركم، فإذا كانت طاهرة فهي على صلة مباشرة بالحيز الروحي وبالتالي بالجنة! ثمة من لحظات يتيسر لكم فيها أن تشعروا شعورا تاما بكثب ربكم على ما يتأتى كثيرا ما في أقصى درجة من السراء أو الضراء!
فتشعرون بكثبه على نفس نحو الذي تشعر به الأرواح الأصلية الخالدة المقيمة في الجنة والتي تكونون في مثل هذه اللحظات على صلة وثيقة معها. وتغطي الذبذبة الشديدة الناشئة عن انفعال السراء أو الضراء لبعض الثواني على كل ما هو من نوع دنيوي خسيس وبذلك تطلق طهارة الشعور التي تقيم على الفور جسرا نحو الطهارة المتجانسة التي تحيي الجنة!
هذه هي أقصى درجة السعادة التي يمكن للروح البشرية أن يتمتع بها. أما الأرواح الخالدة في الجنة فتعيش باستمرار في هذه الحالة التي تجعلها تحس إحساس التأكد الرائع بالسكينة والاستقرار. فمن ثم تكون على وعي تام من كثب ربها العظيم الذي تعيش في ظل قوته ويأسه بيد أنها تعترف على وجه بديهي بأنها قد وصلت إلى قمة قدرة إدراكها وبأنها لن تتمكن أبدا من مشاهدة الله.
ولا يكئبها هذا العرفان بل إدراكا لعظامته المتحصنة تعبر متهللة عن شكرها له على نعمته التي تبدت على الدوام جالة عن الوصف نظرا للمخلوق المتغطرس.
إن هذه السعادة يمكن أن يتمتع بها حتى إنسان الأرض هنا في الدنيا. ويصح القول بإن إنسان الأرض يحس في لحظات وقورة جليلة بكثب ربه. ولكنه يتحول إلى الإثم وتدنيس حرمة الله إذا ما استنتج الإنسان من هذا الجسر الرائع نحو الشعور الواعي بالكثب الإلهي الادعاء بأن الإنسان بنفسه وهب شرارة من الألوهية.
ويتماشى مع هذا الادعاء الحط من شأن المحبة الإلهية. فكيف يمكن قياس المحبة الإلهية بمقياس المحبة الإنسانية؟ وعلاوة على ذلك، كيف يمكن تحديد قيمة المحبة الإلهية حتى دون المحبة الإنسانية؟ فانظروا إلى البشر الذين يتصورون أن المثال الأعلى من المحبة الإلهية هو ما يتحمل بلا أية مقاومة ويغفر للبشر فضلا عن ذلك كل ما أخطأوا فيه! إنهم يريدون أن يدركوا الصفة الإلهية في أنها تتسامح مع مخلوقات دنية في كل أنواع سوء السلوك كما هو الحال في أكثر الناس ضعفا وجبانة الذي يحتقر غيره من الناس لذلك. تعمقوا في هذا الشأن وخذوا في اعتباركم كم مزر يكون هذا النوع من التصرف!
إن البشر مزمعون أن تقترفوا آثاما دون أن يحاسبوا عليها وآخر الأمر يعتقدون بأنهم يسرون ربهم إذا ما سمحوا له بأن يغفر لهم معاصيهم دون أن يكفروا عنها بأنفسهم! ويدل مثل هذا الافتراض إما على أقصى درجة من الضيق في التفكير أو على الكسل الذي لا يمكن الصفح عنه أو على إدراك الضعف الذاتي الذي ليس على أمل في حسن النية من أجل التطلع إلى الأعلى: غير أنه لا مناص من أن يستنكر المرء كل هذه الصفات الممكنة.
ارسموا في ذهنكم صورة للمحبة الإلهية! إنها لصافية وساطعة وطاهرة وعظيمة! فهل تتصورون أنها تتسم بمثل هذا الضعف الوجداني وهذا التسامح الخرع على ما يرغب البشر في أن تكون؟ فإنه يطيب لهم أن يشيدوا عظامة خادعة حيثما تمنوا أن يصادفوا الضعف فيما يرسمون صورة كاذبة لمجرد أن يخدعوا ويهدئوا أنفسهم بخصوص معاصيهم التي تجعلهم يخدمون الظلمة عن طيبة الخاطر.
أين يوجد في هذا الافتراض النشاط الحي وبأس القوة اللذان لا ينفصلان عن صفاء المحبة الإلهية؟ إن المحبة الإلهية جزء لا يتجزأ من أعلى درجة صرامة العدالة الإلهية بل وإنها هي بعينها. فالعدالة هي المحبة، والمحبة لا تكمن من الناحية الأخرى إلا في العدالة التي تكمن فيها المغفرة الإلهية، فلا طريق إليها إلا في إطار العدالة.
ويصح كلام الكنائس القائل بأن الله يغفر كل الآثام! فهو الغفار الحقيقي! على عكس الإنسان الذي يستمر يعتبر مذنبا أو مجرما حتى الذي قد كفر عن أية خطية تافهة. وبمثل هذا النوع من الأفكار يحمل نفسه ضعفي الذنب لأن أعماله وأفكاره لا تتفق ومشيئة الله. فعند هذه النقطة تعوز المحبة الإنسانية صفة العدالة.
إن مفعول المشيئة الإلهية الخلاقة يطهر كل روح بشرية من ذنبها وذلك عن طريق عيش معاصيها أو إصلاح نفسها التطوعي حالما تتطلع إلى الأعلى.
وإذا ما رجعت من هذه الطواحين في المادة إلى الحيز الروحي تقف طاهرة في ملكوت خالقها ولا يهم ما كانت قد أخطأت فيه! فلا تختلف في قدر طهارتها عن طهارة التي لم تخطئ قط. على أن قبل ذلك يفضي بها طريقها عبر مفعول النواميس الإلهية. ففي هذه الواقعة يكمن ضمان المغفرة الإلهية، أي نعمته!
ألا نلاقي في عصرنا كثيرا ما السؤال المفزع التالي: «كيف سمحت مشيئة الله بأننا اجتزنا هذه السنين من الحزن والبأساء؟ فأين محبته وأين عدالته؟» وعلى هذا المنوال تتساءل البشرية والأمم وكثيرا ما العائلات والأفراد! أفلا هو أكثر دلالة على أن المحبة الإلهية هي في واقع الأمر لمتفاوتة مما يفكرها رب إنسان؟ حاولوا مرّة أن تستبطنوا مسألة ما سينتهي مثل هذه المحبة الإلهية الغفارة إليه التي يثابر البشر على تصويرها بتشنج! أي مثل هذه المحبة التي تتسامح مع الإنسان في كل معاصيه وتغفرها له آخر الأمر بسماحة دون أن يكفر بنفسه عنها. فلا بد أن يسفر استبطان هذه المسألة عن نتيجة مذلة! هل يظن الإنسان أنه قيم لدرجة أن ربه ليطلب منه أن يعانه؟ بمعنى أنه حتى أكثر قيمة من ربه وفقا لهذا الافتراض؟ فإلى أي مدى تقدم غطرسة البشر على أن تذهب إليه. –
وعندما تفكرون في هذه المسألة تفكيرا رصينا لا بد أن تعثركم ألف عائقة علما بأنكم لن تنتهوا إلى استنتاج إلا إذا استخففتم بالله وجعلتموه غير كامل.
إلا أنه كان ويكون وسيكون صاحب الكمال مهما كان موقف البشر من هذا الأمر.
إن مغفرته تكمن في العدالة، ولا تؤدي طريق آخر إليها. كما لا تكمن المحبة التي كان البشر يسيؤون فهمها إلى حد الآن إلا في هذه العدالة غير القابلة للزحزحة!
امتنعوا في ذلك عن القياس بالمقياس الدنيوي. إذ أن عدالة الله ومحبته مهتمتان بالروح البشرية. أما المادة فليس لها أي دور في هذه المسألة خصوصا عندما نأخذ في الحسبان أن الروح البشرية شكلت هذه المادة نفسها، فلا حياة لها بدون وجود الروح.
لماذا تعذبون أنفسكم بتوافه دنيوية بحتة تعتبرونها ذنبا بينما هي ليست ذنبا على الإطلاق.
ولا يكون حاسما للنواميس الروحية في الخليقة إلا ما تريده الروح في عمل ما. غير أن هذه الإرادة الروحية ليست عبارة عن نشاط الأفكار وإنما عن الشعور في صميم الإنسان أي القصد الحقيقي له الذي في مقدوره ومن شأنه دون غيره أن تحرك نواميس الآخرة تلقائيا.
إن المحبة الإلهية لا يمكن أن يحط منها الإنسان إذ تكمن فيها كذلك النواميس المتصلبة لمشيئته التي تحملها المحبة. أما انعكاس هذه النواميس فيعتمد على تصرف الإنسان فيها. فلها أن توصله إلى مقربة من ربه أو أن تكون الحاجز الفاصل الذي لا يمكن تدميره إلا إذا تكيف الإنسان أخيرا مع النواميس أو بعبارة أخرى إلا إذا أطاعها. ولن يأتي الإنسان الفلاح ولا الغبطة إلا عن طريق هذا التكيف أو هذه الإطاعة.
إن الخليقة العظيمة لبناء متكامل وخالية من علل وأية ثغرة. أما المغفل المصر على تغيير هذه الحقيقة التي لا جدال فيها فسيكسر رأسه وهو يحاول ذلك. –
ولا تنسج المحبة الإلهية إلا ما ينفع كل روح بشرية ولا ما يسرها ويروق لها ظاهريا هنا في الأرض فإنها تتعالى عن ذلك أبعادا لأنها تحكم الكون بأكمله.
ويظن حاليا رب إنسان كثيرا ما: إذا ارتقبنا البأساء والهلاك بغية تطهير عظيم فينبغي على الله أن يعدل باعثا قبله وعاظا يدعوون الناس إلى التوبة، فلا بد أن ينذر الإنسان قبل. أين يوحنا الكارز بما سيحصل من أحداث؟
إنهم أناس من النوع التعيس يظنون أنفسهم حكماء بينما هم هزلى التفكير! فلا تختفي وراء مثل هذه النداءات إلا استطالة أعلى درجات التجوف. فلو أتاهم أحد الوعاظ لجلدوهم وحبسوهم بالتأكيد!
افتحوا عيونكم وآذانكم! بيد أنهم يتجاهلون راقصدين وهوجا كل البأساء والتعاسة التي تعتري غيرهم من الناس! إنهم لا يريدون أن يروا ولا أن يسمعوا! –
وقبل ما مضى من ألفي سنة سبق واعظ داع إلى التوبة، فجاءت الكلمة المتجنسة في عقبه. على أن البشر اجتهدوا في مسح وإبهام بهاء الكلمة الطاهر لكي تطفأ شيئا فشيئا قوة جاذبية لمعانها. –
أما جميع الذين يعتزمون على التنقيب عن الكلمة تحت النباتات المتسلقة فسرعان ما يحسون بأن سعاة الظلمة يبذلون جهودا متشنجة قاصدين الحيلولة دون الاستيقاظ المبتهج!
على أن ما جرى في عهد المسيح لن يتكرر في عصرنا الحاضر! حينئذ جاءت الكلمة! وكان للبشرية الاختيار فقررت الأغلبية منها رفضها! ومن هذا الوقت كانت البشرية خاضعة للنواميس اللاحقة تلقائيا بالقرار الحر الذي اتخذته وقتئذ. وفيما بعد لقي البشر في الطريق الذي اختاروا انتهاجه بأنفسهم كل ثمار إرادتهم الذاتية.
إن السلسلة ستتكامل عما قريب. فتتراكم الأحداث أكثر فأكثر وتنتصب كأنها مجمعة أمام سد لا يلبث أن ينهار دافنا البشرية التي تعيش بليدة روحيا دون أن تكترث بما يجري حولها. وبطبيعة الحال لن تعود تتمتع في النهاية، يوم الحساب، بالاختيار!
وحان الوقت أن يحصدوا ما كانوا يبذرون حينئذ وفيما لحق من الزمن وهم يتيهون عن سواء السبيل.
إن جميع الذين رفضوا الكلمة آنذاك في عهد المسيح تم في عصرنا إعادة تجسيدهم في الأرض من أجل الحساب. اليوم لم يعد لهم الحق في الإنذار السابق وإعادة اتخاذهم قرارا. إذ خلال ألفي سنة كان لديهم الوقت الكافي للرجوع إلى صوابهم! وكذلك الشأن في من استوعب تفسيرا خاطئا عن الله وخليقته ولا يبذل مساعيه في سبيل إدراكهما على نحو أطهر، فمثله مثل الذي لم يستوعبهما على الإطلاق بل وإن استيعاب تفسير خاطئ حتى أدهى بكثير لأن الإيمان الخاطئ يمنع الإنسان من إدراك الحقيقة.
ولكن ويل للذي يحرف أو يغير الحقيقة حتى يجذب أتباعا أو يزيد من عددهم لأن الشكل الميسر لها يتواءم مع خمول الناس. فلا يحمل نفسه بذنب التحريف والتضليل فحسب وإنما يتحمل بالإضافة إلى ذلك المسؤولية عن جميع الذين تمكن من اجتذابهم إليه بعملية التيسير أو التكييف. أما مثل هذا الإنسان فلن يخفف عنه شيء إذا ما جاءت له ساعة الجزاء. إنه سيهوي في هاوية لا يمكن أن يصعد منها أبدا وذلك عن حق! – وهذا أيضا سمح ليوحنا بأن يشهده بحيث حذر منه في رؤياه.
وإذا ما بدأت عملية التطهير العظيم لن يبقى أمام الإنسان فسحة من الوقت للتمرد ناهيك عن الصمود لما سيحيطه من أحداث. فالنواميس الإلهية التي يحلو للإنسان أن يرسم عنها في ذهنه صورة خاطئة ستتبدى عندئذ فعالة بلا أية رحمة.
وبالذات في أكثر الأزمان روعة التي شهدتها البشرية في كل تاريخها ستتعلم البشرية أخيرا أن المحبة الإلهية تتعالى أبعادا عن اللين الخرع والضعف الواهن اللذين تجاسر البشر على أن ينسبوهما إليها.
إن ما يزيد على نصف البشر العائشين حاليا في الدنيا ليست هذه الأرض المكان الذي يليق بهم أن يقيموا فيه!
فمنذ آلاف السنين والبشرية تعيش في حالة من الانحطاط وتحاط بالظلمة لدرجة أن قصدها غير الطاهر أقام جسورا كثيرة نحو أحياز مظلمة تقع بعيدة دون مستوى هذه الأرض. هناك تستقر أرواح بشرية منحطة لن يفسح وزنها الأثيري المادة المجال أبدا أمام صعودها إلى مستوى الأرض هذا.
وفي ذلك كمنت حماية لجميع سكان الأرض ولهؤلاء المظلمين أنفسهم على السواء. فإنهم منفصلون عن سكان الأرض عن طريق الناموس الطبيعي الخاص بالثقل الأثيري المادة. فهناك في تلك الهاوية يمكنهم أن ينهمكوا في شهواتهم وكل أنواع الدناوة دون أن يعيثوا فسادا فيها. بالعكس، إذ أن انغماسهم غير المقيد في شهواتهم لا يصيب إلا المتجانسين من الأرواح البشرية كما يهاجمهم من الناحية الأخرى انغماس أولئك المتجانسين في شهواتهم الخاصة بهم. وبذلك بعاني بعضهم من بعض الأمر الذي ينضجهم ولا يحملهم ذنبا جديدا. إذ أن الآلام قد تهيج فيهم، في يوم من الأيام، الاشمئزاز من أنفسهم المتماشي مع الرغبة في الخروج من هذا الملكوت. إن هذه الرغبة ستؤدي مع مرور الزمن إلى اليأس المعذب الذي قد يستتبع أحر الصلوات وبذلك النية الصادقة الهادفة إلى إصلاح أنفسهم.
وعلى هذا المنوال كان سير الأمور المحتوم ولكنه تطور تطورا متباينا لأن الإنسان أساء استعمال اختياره!
وأقام قصد البشر المظلم جسرا نحو حيز الظلمة. وبذلك مدوا أيديهم إلى كل الذين يعيشون هناك مفسحين أمامهم المجال للصعود إلى هذه الأرض عن طريق قوة جاذبية الأنواع المتجانسة. وبطبيعة الحال أتيحت لهم هنا الفرصة لإعادة التجسد التي لم تخصص لهم بعد انسجاما مع سير الأمور العادي.
إذ هنا في الأرض حيث يمكنهم توسط المادة الكثيفة من التعايش مع الأرواح البشرية التي هي أكثر فضيلة منهم، يعيثون فسادا على أي حال بما يحملون أنفسهم ذنبا جديدا. في حين يستحيل عليهم ذلك في أحيازهم الدنيا المظلمة. فهناك ينفعون المتجانسين من الأرواح البشرية بحقارتهم لأنهم لا يدركون آخر الأمر فيها إلا أنفسهم فيصيرون يقرفونها مما يساهم في إصلاح أنفسهم.
إن هذا السير العادي لكل عمليات التطور أخل بها الإنسان من جراء سوء استعمال اختياره الذي شكل به جسورا أثيرية المادة نحو حيز الظلمة بحيث استطاعت الأرواح البشرية المنحطة المستقرة فيه أن تتسلق حشودا منها مستوى هذه الأرض التي تعمر الآن فرحانة أكبر جزء منها.
وبما أنه كان لزاما على النفوس النيرة أن ترتد حيثما ثبتت الظلمة قدميها تيسر للنفوس المظلمة التي قدمت إلى الأرض عن غير حق أن تتجسد حيث كان من المفروض أن تدخل نفس نيرة. فكان للنفس المظلمة أن تستند عن طريق أي شخص موجود في محيط المرأة الحامل إلى سند ما مكنها من التغلب على النفس النيرة حتى ولو كان الوالدان من الناس الذين هم أكثر طهارة ونورا.
وبذلك ينكشف أيضا لغز أن رب إنسان شرير أفلح في التجسد عند والدين حسنين. ولكن إذا انتبهت المرأة الحامل دقة الانتباه إلى نفسها ومحيطها والناس المتعاملين معها لا يمكن أن يحدث ذلك.
إذن لا يشهد المرء إلا عملا مترتبا على المحبة إذا جرف الانعكاس النهائي لعدالة النواميس المطلقة كل هؤلاء المظلمين من مستوى هذه الأرض حتى يهووا في ملكوت الظلمة ذلك الذي هو مستقر الطبيعي توافقا مع نوعهم الخسيس. هناك يتعذر عليهم أن يصدوا الأرواح البشرية المتطلعة إلى الأعلى عن الصعود بما يحملون أنفسهم ذنبا جديدا بل عسى أن ينضجوا فيه وهم يعيشون الاشمئزاز من أنفسهم وغيرهم من المتجانسين. – –
وسيحين الوقت بديهيا الذي سيمسك بقلوب جميع الناس مسكا متصلبا والذي سيجري فيه بصلابة العود المفزعة استئصال شافة الغطرسة الروحية من كل مخلوق إنساني. والتالي لن يعود يساور الروح البشرية الشك الذي يحول في الوقت الراهن بينها وبين إدراك أن النوع الإلهي لا يكمن في نفسها بل فوقها في علو بعيد عنها وأنه لا يظهر لها إلا بأطهر صورة على الهيكل في ثنايا نفسها ترفع بصرها إليها متعمقة في صلاة خاشعة. –
ولا تضل الروح البشرية عن الطريق بل تقترف إثما إذا أعلنت عن ألوهيتها. إن مثل هذا التكبر سيستتبع حتما إسقاطها، إذ أنه عبارة عن محاولة نزع مقاليد الحكم من يد ربه والحط منه حيث يتجاسر الإنسان على المساواة بين ربه وبين درجته التي لا يتبوأها حتى هذه لأنه طمح إلى تكبير نفسه موجها نظره إلى مرتفعات لن يصل إليها أبدا ودع عنك إدراكها. ولذا صار يغفل الواقعية تماما ولم يجعل نفسه جزءا عقيما في الخليقة فحسب بل، مما هو أدهى من ذلك بكثير، ضارا مباشرا!
وانطلاقا من موقفه الخاطئ الخاص به سيثبت له في النهاية بوضوح مخيف أنه في حالته المنحطة الحالية لا يمثل حتى ظلا من الألوهية. وسيهوله أن كل كنز علمه الدنيوي الذي ثابر على تخزينه عبر السينين الآلاف سيتبدى عندئذ عديم القيمة، هنة حقيرة. ونظرا لشخصيته سيشهد في حيرة أن أثمار سعيه الدنيوي الوحيد الجانب ستصبح غير مجدية بل إنها ستتحول في بعض الحالات إلى لعنة عليه. فليتدبر عندئذ في ألوهيته إن كان ذلك في وسعه! – –
إن صوتا جبارا سيضطره مدويا: «أيها المخلوق، اسجد لربك ولا تحاول آثما أن تساوي بينك وبين الله!» – –
ولا يسمح للروح البشرية المتراخية بأن تتتابع أنانيتها على هذه الحال. –
فهذا سيكون كذلك الوقت الذي سيسقط فيه ما لا يتأصل في أرض الصواب. أما الصيغ الدجالة مثل الأنبياء الكذبة والجمعيات الخادعة فستتهاوى في ذاتها! وبذلك ستسلط كذلك الأضواء على الطرق الملتوية المضلة التي اعتادت البشرية على أن تسلكها إلى حد الآن.
ولعل رب إنسان راض بذاته سيدرك عندئذ مفزعا أنه لم يهتد سواء السبيل بل يقف أمام هاوية سرعان ما ينزلق إليها بينما كان يظن مفتخرا بنفسه أنه في الطريق الذي يقترب فيه صاعدا من النور! كما سيدرك أنه فتح أبوابا حامية دون أن يتمتع بكامل قوة الدفاع وراءها وأنه عرض نفسه لأخطار لتغلب عليها لو سارت الأمور سيرها الطبيعي. فطوبى لمن يهتدي عندئذ إلى طريق الرجوع!