في سالف الزمان…!

إنها لا تزيد على ثلاث كلمات غير أنها بمثابة تعويذ، إذ تضم في طياتها خاصية أنها تحدث في كل إنسان على الفور أي شعور خاص. وقلما تتشابه هذه المشاعر. وعلى غرار مفعول الموسيقى تصل هذه الكلمات الثلاث مباشرة إلى روح الإنسان أي إلى «أناه» الحقيقية، على أنها لا تصل بطبيعة الحال إلا للذين لما يحبسوا روحهم في أنفسهم بشكل تام ولا يضيعوا بالتالي الصفات البشرية الحقيقية في الأرض.

غير أن كل إنسان يعود عند سردها لاإراديا بذاكرته إلى أي حادثة عاشها فيما مضى من الزمان. فتقوم أمامه حية ومع هذه الصورة يتهيج شعور مطابق لها.

ففي إنسان هو اللين المشتاق أو السعادة الملنخولية أو الحنين غير الملفوظ المتعذر تحقيقه. أما في إنسان آخر فهو الكبرياء أو الغضب أو الفزع أو الحقد. ففي ذلك يفكر الإنسان دائما في شيء أو حدث قد عاشها سابقا حيث أحدث وقعا استثنائيا في نفسه غير أنه ظنه خابيا من زمان.

ولكن لا يخبو ولا يضيع شيء واحد مما عاشه حقيقة في ثنايا نفسه فيما مضى من الزمان. بل إنه أصبح جزءا لا يتجزأ منه باعتباره خبرات مكتسبة غير خاضعة للفناء. وينطبق ذلك على ما عاشه فقط! أما غيره من الحوادث فيتعذر قيامه عند ذكر هذه الكلمات الثلاث.

لينتبه الإنسان بتمعن ويقظة إلى هذه الوقائع فلا يلبث أن يدرك ما هو فعلا حي في نفسه وما يتسنى له أن يصفه بأنه ميت باعتباره قشرة عديمة النفس لذكريات لا فائدة منها.

ولا ينفع الإنسان الذي لا نفهم عليه الجسد إلا ما يؤثر عليه تأثيرا عميقا أثناء حياته الأرضية حتى يطبع خاتما لا يمحى على نفسه. ولا يمارس أثرا في تكوين النفس البشرية وبذلك، في مواصلة السير، في تقدم الروح من أجل تطورها المستمر إلا مثل هذه الخواتم.

إذن لا يعد من الخبرات الحقيقية وبذلك من الأجزاء التي لا تتجزأ من الإنسان إلا ما يمارس ويترك مثل هذا الأثر العميق في نفسه. أما غيره من الأمور والحوادث فيتميز بكونه عابرا سريع الزوال أو يخدم على أقصى تقدير وسيلة من أجل تطوير حوادث قادرة على ممارسة هذه الآثار الطابعة.

وطوبى لمن اكتسب العديد من مثل هذه الخبرات الروحية الفعالة سواء أحدثها السراء أو الضراء. إذ أن انطباعاتها ستكون ذات يوم أكثر العدد قيمة مما تأخذه النفس البشرية معها في طريقها إلى الآخرة. –

أما نشاط العقل الدنيوي البحت، على ما جرت العادة به في عصرنا، فينفع في حالة حسن استخدامه فقط بغية تيسير الحياة الأرضية المادية. وهذا هو، لو دققنا النظر، الغاية الحقيقية لأعمال العقل جميعا! ففي نهاية المطاف لن تتمخض أبدا عن نتيجة أخرى الأمر الذي ينطبق على كل فروع المعرفة المكتسبة من الكتب وعلى سائر النشاطات سواء فيما يتعلق بمسائل الدولة العامة أو العائلات أو الأفراد أو الأمم أو آخر الأمر البشرية جمعاء.

ومن المؤسف أن الكل قد سلم بلا قيد وشرط للعقل فقط بما يكون مكبلا بصفاد تحديد قدرة الإدراك الممتدة إلى الدنيويات فقط الأمر الذي قد استتبع وسيستتبع عواقب وخيمة حتما.

وفي هذا الصدد ليس ثمة في الأرض برمتها إلا استثناء واحد. غير أن هذا الاستثناء لا تقدمه لنا الكنيسة على ما يفكره رب إنسان بالتأكيد وعلى ما كان من المفروض أن يكون ولكن هذا الاستثناء هو مجال الفنون! ففيها يحتل العقل حتما المرتبة الثانية. ولكن في الحالات التي يغلب فيها العقل تذل الفنون على الفور إلى مستوى الحرفة، فتنحط رأسا ومن غير ريب من مكانتها الرفيعة مما هو النتيجة المنطقية الحتمية من حيث بساطتها الطبيعية. ولا يمكن التدليل على استثناء واحد في ذلك.

ومن البديهي أن ننتهي إلى نفس الاستنتاج في كل الأمور الأخرى على حد سواء! ألا يبعث ذلك الإنسان على التفكير؟ فلا بد أن تنقشع عن عيونكم غشاوة الجهل نظرا لهذه الواقعة. فتبدي بوضوح لمن يفكر ويقيس أن كل الأمور الأخرى التي تتحكم فيها العقل أيضا لا ترد عليه إلا بالتعويض المعيب! ونظرا لهذه الواقعة كان للإنسان أن يدرك أية مكانة يحتلها العقل بالفطرة إن كان المقصود أن ينهض ويقوم ما هو صواب وذو قيمة!

إن الفنون وحدها ظلت إلى حد الآن تتولد من نشاط الروح الحية، أي من الشعور. إنها هي المجال الوحيد التي نشأ وتطور على نحو طبيعي عادي سليم. غير أن الروح لا تعبر عن نفسها بواسطة العقل وإنما بالمشاعر كما لا تظهر إلا في ما يسمى عموما «بالفؤاد». وهذا الفؤاد بالذات هو ما يحلو للإنسان العقلاني العصري الذي يفتخر بنفسه بإفراط أن يستهزئ به. فبذلك يتهكم على أكثر صفات الإنسان قيمة بل بالذات على ما يميز الإنسان إنسانا!

إن الروح والعقل لشأنان متباينان على الإطلاق. وإن شاء الإنسان أن يتحسن الأوضاع السائدة أخيرا فلا بد له أن يراعي كلمة المسيح التالية: «و من أعمالهم تعرفونهم!» وآن الأوان الذي ستتحقق هذه الكلمة فيه.

إن أعمال الروح فقط تنطوي من أصلها على الحياة وبذلك على الاستمرار والاستقرار. في حين كتب على غيرها من الأعمال أن تتهاوى في ذاتها حينما انقضى عصرها الذهبي. فحالما يزمع المرء على قطف أثمارها يظهر التجوف للعيان!

انظروا إلى التاريخ على امتداده! إن عمل الروح، أي الفنون، هو الوحيد الذي ظل على قيد الحياة إلى ما بعد زوال الشعوب التي قد انهارت حضاراتهم نتيجة لنشاط عقلهم الميت البارد. أما علمهم العظيم الذي تمجد كثيرا ما أقوالا وكتابة فلم يستطع أن ينقذهم من الزوال. ومني كل من الفراعنة والإغريق والرومان بهذا النصيب كما مني به فيما بعد الإسبان والفرنسيون والآن يمنى به الألمان – بيد أن أعمال الفنون الأصيلة بقيت بعد زوالهم! ولن تنهار أبدا. على أن لا أحد لاحظ هذا الانتظام السديد في ما تكرر من انهيار مختلف الحضارات. لا إنسان خطر له خاطر أن يستكنه الجذر الحقيقي لهذا الشر الفاحش.

فبدلا من البحث عنه ووضع حد لحالات الانحطاط المترددة استسلموا بلا تبصر أمامها وأذعنوا بالبكاء والحنق «للمعطيات غير القابلة للتغيير».

والآن في النهاية فإنه سيداهم البشرية جمعاء! لقد اجتزنا أزمانا كثيرة من البأساء غير أن المزيد منها ما زال أمامنا. ويجوب ويل شديد الصفوف المتراصة من الناس الذين يصابون به من الآن.

فكروا في الشعوب كافة التي حتم عليها السقوط وقتما كانت قد وصلت إلى عصرها الذهبي عند بلوغ العقل ذروته. أما الأثمار الناشئة عن عصر الازدهار فتشابهت في الحضارات كلها! ألا وهي الفجور والخلاعة والانغماس في الملذات بشتى الأنواع والأشكال التي لحق بها حتما الانحطاط والانهيار.

إن التجانس المطلق في كل هذه الحالات الذي يمكن لكل إنسان أن يؤانسه لملفت للنظر جدا! كما لا بد لكل من يفكر تفكيرا أعمق أن يعثر فيها على نوع ومنطقية معينة من النواميس صارمة.

وأدركت هذه الشعوب، شعبا شعبا، أن عظامتها وقوتها ومجدها لم تمثل إلا مظهرا كما لم تقم إلا على القهر والعنف لا على الاستقرار الداخلي الناتج عن حالة سليمة من الظروف.

افتحوا عيونكم بدال أن تيأسوا! انظروا حولكم وتعلموا مما كان وقيسوه بالرسائل التي أتتكم من الحيز الإلهي قبل ما مضى من آلاف السنين فينبغي عليكم أن تكتشفوا جذر الشر الجارح الذي يردع هو وحده البشرية جمعاء عن الصعود.

ولا ينفتح الطريق المؤدي إلى الصعود العام إلا بعد استئصال شافة هذا الشر. فهذا الصعود سيكون عندئذ ذا الاستمرار لأنه لينطوي على الصفة الحية التي تتميز بها الروح في حين كان إدخالها مستحيل إلى حد الآن. –

وقبل أن أتطرق إلى هذا الموضوع في نيتي أن أشرح ما هو الروح باعتبارها الشيء الحي الوحيد في الإنسان. إن الروح ليست عبارة عن الفطنة ولا عن العقل. ولا تمثل الروح المعرفة المكتسبة من الكتب. ومن ثمة يخطئ المرء عندما يصف شخصا من الأشخاص بأنه «غني بالروح» إذا كان كثير الدراسة والقراءة والرصد وأجاد التحدث عما كسب من معلومات، أو إذا برع بحكم أفكاره الطريفة وفطنته الظريفة.

إنما الروح تختلف عن ذلك جذري الاختلاف. إنها نوع مستقل قادم من عالم نوعها المتجانس الذي يختلف عن الجزء الذي تنتمي الأرض وبذلك الأجسام المادية إليه. إن هذا العالم الروحي على مستوى أعلى من الأرض، إنه يشكل الجزء العلوي الأخف للخليقة. إن هذا الجزء الروحي في الإنسان يضم في طياته، بفضل كنهه، مهمة أن يرجع إلى الحيز الروحي في الوقت الذي قد انفصلت فيه كل الأغلفة المادية عنه. وينطلق النزوع إلى ذلك عندما تكون الروح قد نالت درجة معينة من النضوج فيما يفضي بها إذن إلى الأعلى، أي إلى حيز نوعها المتجانس الذي يرفعها إليها من جراء قوته المتجاذبة.*

إن الروح والعقل لشأنان متباينان على الإطلاق. فالروح لها علاقة بالصفة التي نطلق عليها اسم «الفؤاد». ويعني تعبير غني بالروح إذن «ذا الفؤاد» وليس ذا العقل.

ومن أجل التمييز بين هذين التعبيرين المختلفين على الإنسان أن يستخدم تعبير: «في سالف الزمان!» فسينكشف الأمر للكثير من ملتمسي الحقيقة. إذا دققوا أنظارهم إلى أنفسهم يتيسر لهم أن يدركوا ما عاد على أنفسهم بالنفع في حياتهم الأرضية التي قضوها إلى حد الآن وما لم يخدم إلا لتيسير ظروف حياتهم وعملهم في محيطهم الدنيوي. أو بتعبير آخر، ما هو ذو قيم دنيوية فقط وما هو ذو قيم باقية مما يأخذه الإنسان معه إلى الآخرة بعد وفاته. أما القيم الدنيوية فيخلفها هنا في الأرض عند انتقاله إلى الآخرة باعتبارها أداة لما يجري في الدنيا، وسيلة للحياة الأرضية لا غير.

ولكن إذا لم تستعمل الوسيلة بهذه الصفة بل تقيم أعلى مما هي في واقع الأمر فيتعذر عليها بطبيعة الحال أن تؤدي في هذا العلو المأموريات المطلوبة هناك، إذ أنها في المنزلة التي لا تليق بها بما سيأتي بديهيا بعلل وخلال ذات بشتى الأنواع والصور تستتبع مع مرور الزمن عواقب وخيمة مشؤومة.

ومن هذه الوسائل يأتي في المقام الأول العقل الدنيوي الذي يتسم حتما، باعتباره منتوج المخ الإنساني، بصفة التحديد كما يتسم بها كل ما هو من نوع المادة الكثيفة ذات الأشكال المجسمة حيث يظل على الدوام خاضعا لها. أما المنتوج فلا يمكن أن يختلف عن أصله فيما يظل مرتبطا بطبيعة الأصل الأمر الذي ينطبق كذلك على الأعمال الناشئة عن المنتوج.

وبطبيعة الحال يترتب على ذلك أن العقل ذا أضيق قدرة للإدراك لا تتجاوز الحيز الدنيوي بل تتقيد بالزمان والمكان. وبما أن العقل يصدر عن المادة الكثيفة التي هي ميتة في حد ذاتها حيث لا تنطوي على حياة ذاتية يفتقر هو الآخر إلى أي قوة حية. ومن البديهي أن يمتد هذا الظرف إلى كل نشاط العقل الذي يستحيل عليه بذلك أن يضفي الحياة على أعماله.

ويكمن في هذه الحقيقة الطبيعية غير القابلة للتغيير المفتاح للوقائع الكديرة الجارية خلال كون الإنسان في هذه الأرض الصغيرة.

وعلينا أن نتعلم أخيرا التمييز بين الروح والعقل، بين نواة الإنسان الحية ووسيلته! وإذا وضعت الوسيلة فوق النواة الحية، على ما جرت العادة به، يسفر عن ذلك كل ما هو أشياء غير سليمة ينطوي من وقت نشأتها على بذور الموت بينما يربط ويقيد ويقطع ما هو حي وأكثر أمور الإنسان سموا وقيمة من نشاطه الضروري حتى يصعد متحررا غير متطور عند التهاوي الحتمي للبناء الميت من الأنقاض.

والآن، لنتصور بدلا عن تعبير «في سالف الزمان» سؤال: «كيف كانت الأوضاع في الأزمان الغابرة؟» فكم يختلف أثره الأمر الذي يؤانسه الإنسان على الفور. فيخاطب السؤال الأول الشعور الذي هو على اتصال بالروح. أما السؤال الثاني فيخاطب العقل علما بأن الصور القائمة على إثر الفوه به تختلف اختلافا جذريا، فإنها مضيقة من أول الأمر وباردة مفتقرة إلى الحنان الحيوي لأن العقل ليس قادرا على التمخض عن غير ذلك.

إن أشنع ما حملت البشرية من أولها على عاتقها هو ذنب أنها وضعت هذا العقل، الذي لا يصنع إلا ما هو ذو ثغر وبلا حياة، على قاعدة رقصت حولها وهي تعبده. فإنها خولت العقل مكانة كانت للروح فقط أن تستأثر بها.

ويضاد عمل البشرية هذا من كل النواحي أحكام الخالق وبذلك الطبيعة لأن الأحكام تتأصل فيما يجري في الطبيعة. وعليه، يتعذر على كل الأمور أن تؤدي إلى غاية حقيقية بل حتم عليها الإخفاق عند نقطة الحصاد. إنه لا يمكن أن يجري على نحو متفاوت بل إنه حدث طبيعي يفرض نفسه عليها.

ولا يختلف الأمر إلا في التكنيك البحت، في كل صناعة. فبمساعدة العقل قد وصل إلى مستوى عال في ميدان الرقي ولا يزال يقطع أشواطا شاسعة في المستقبل! غير أن هذه الواقعة تثبت حقيقة ما أوردته أعلاه من أسباب الشرح، إن التكنيك يكون وسيكون في الأمور كلها دنيويا بحتا، ميتا. وبما أن العقل على السواء هو جزء من كل ما هو دنيوي يستطيع أن يتطور تطورا باهرا وينجز حقيقة أعمالا رائعة في مجال التكنيك. ففيه يتبوأ مكانته اللائقة به ويؤدي مأموريته الحقيقية!

ولكن حيثما لا محيد عن أخذ ما هو «حي» أيضا، أي ما هو إنساني بحت، في الحسبان ليس العقل بنوعه الخاص به كافيا بما كتب عليه الإخفاق حالما لا ترشده الروح! إذ أن الروح فقط هي الحياة. أما النجاح في نوع معين فلا يمكن أن يأتي به إلا نشاط النوع المتجانس له. ولذلك من المستحيل أن يقوم العقل بأعمال روحية! ولهذا السبب اقترفت هذه البشرية كبيرة فيما وضعت العقل فوق الحياة.

ومخالفة للقضاء الخلاق الطبيعي تماما قام الإنسان بالقلب المباشر لمأموريته بل قلبها نوعا ما رأسا على عقب وهو يخول العقل أعلى مكانة بينما تستأثر الروح الحية بها. أما العقل فلا يحتل إلا المنزلة الثانية، المرتبة الدنيوية فقط. وبناء على عمل الإنسان هذا من الطبيعي أنه، بدال أن ينظر بالروح من الأعلى إلى ما هو أدناه، أنه يكون الآن مضطرا إلى أن يبحث عن الحقيقة بمشقة وعناء من الأسفل إلى الأعلى علما بأن العقل الموضوع فوق الروح، ذا قدرة الإدراك المحدود يحول دون أي نظر أوسع.

إذا رغب الإنسان في أن يستيقظ فلا بد له «أن يبدل الأضواء» أولا بمعنى أنه لا بد له أن يزحزح العقل عن مكانته الرفيعة الاصطناعية مرجعا الروح إلى المنزلة العليا اللائقة بها بالفطرة. ولكن هذا التبديل الضروري لم يعد يسيرا على الإنسان العصري. –

إن عمل البشر المحول وقتئذ الذي خالف مشيئة الخالق، أي نواميس الطبيعة، مخالفة قاطعة كان «الخطية الأولى» الحقيقية التي كانت عواقبها مفزعة للغاية، إذ أنها تحولت في الوقت اللاحق إلى «الإثم الوراثي» لأن رفع العقل إلى الحاكم المستبد استتبع على وجه طبيعي أن التربية والنشاط الوحيدي الجانب قويان مع مرور الزمن المخ على السواء من جانب واحد حيث لم يتطور إلا ذلك الجزء الذي أنيط بإنجاز عمل العقل بينما حتم على الجزء الآخر أن يتخلف. وبذلك لا يقدر هذا الجزء الذي سبب تخلفه الإهمال أن يبسط نشاطه إلا بصفة مخ الأحلام غير الجدير بالاعتماد عليه الذي يخضع حتى بهذه الصفة للتأثير الجبار الذي يمارسه المخ المسؤول عن عمل العقل.

إن ذلك الجزء الذي يقيم عادة الجسر نحو الروح أو بالأحرى الجسر من الروح نحو كل ما هو دنيوي لمتعطل نتيجة لذلك. فانقطعت الصلة أو على أقل تقدير انحلت كثيرا بما قضى الإنسان على أي نوع من نشاط روحه وبذلك على إمكانية أن «ينفخ الحياة» في عقله وأن يروحنه ويحييه.

وكان من المفروض أن يربي الإنسان الجزءين من مخه بشكل متساو من أجل النشاط المشترك المنسجم على ما هو عليه في كل مهام الجسم. أما الروح فهي المرشد، في حين أن العقل يقوم هنا في الأرض بمهمة تنفيذ الأمور. ومن البديهي أن خلل العلاقة بين الروح والعقل يستتبع كذلك إخلال نشاط الجسم والجسم بعينه. إذ يؤثر بطبيعة الحال في كل شيء لأن العنصر الجوهري لكل ما هو دنيوي لمعدوم!

ومن المعقول أن القضاء على نشاط الروح أحدث الابتعاد والتنفير عما هو إلهي إذ أن الطريق المؤدي إليه صار مسدودا.

واستتبع ذلك من الناحية الأخرى سيئة أن كل جسم طفلي يولد بمخ أمامي كبير، وذلك عن طريق التوارث منذ آلاف السنين، لدرجة أن كل طفل يذعن في سهولة ويسر ومن أول الأمر للعقل حالما يبسط هذا المخ كامل نشاطه. وأصبحت الهوة بين المخ والمخيخ شاسعة كما باتت نسبة استخدامها غير متساوية حتى أن أغلبية الناس لن تشفى دون أن تداهمهم كارثة من الكوارث.

إن الإنسان العصري المطيع لعقله فقط لم يعد إنسانا طبيعيا وإنما يعوزه تطور الجزء الرئيسي لمخه، أي المخيخ، الذي لا يتجزأ عن الإنسان الكامل، فإنه ليس طبيعيا لأنه خلى المخيخ يتخلف وذلك منذ آلاف السنين. فكل إنسان، بلا استثناء، مطيع لعقله فقط هو ذو مخيخ مكسح! منذ آلاف السنين والأرض يسيطر عليها إذن مكسحون في المخ يعتبرون الإنسان الطبيعي عدوا لهم ويحرصون على قمعه. إنهم يتوهمون بمخيخهم المتخلف أنهم ينجزون أعمالا رائعة جاهلين أن الإنسان الطبيعي لقادر على إنجاز عشرة أضعافها بما يخلق أعمالا ذات الدوام والاستمرار أكثر كمالا من المساعي الحالية. ويكون الطريق مفتوحا أمام كل ملتمس رزين بغية كسب هذه المقدرة.

أما إنسان مطيع لعقله فقط فلن يكسب بهذه السهولة القدرة على إدراك ما يدخل في حيز نشاط هذا الجزء المتخلف من مخه! إنه ليس باستطاعته حتى ولو تمناه. ولا يتهكم على كل ما لا يدركه ولن يدركه أبدا نتيجة لمخيخه المتخلف غير الطبيعي إلا من جراء تضييق نفسه التطوعي.

وفي ذلك بالذات يكمن ألعن جزء من هذا الضلال غير الطبيعي. إذ يستحيل نهائيا على الإنسان المادي أن يتعاون الجزءان لمخه تعاونا منسجما ممّا هو جزء لا يتجزأ من الإنسان الطبيعي. –

إن كون الإنسان ماديا ليس عبارة عن ثناء وإنما عبارة عن البطاقة المبرهنة على المخ المتخلف.

فإلى حد الآن كان يسيطر على هذه الأرض المخ غير الطبيعي الذي سيستتبع نشاطه آخر الأمر التهاوي المحتوم. إذ مهما كان في نيته أن ينتجه من أعمال فإنّه يضم التنافر والحالة غير السليمة من أول الأمر في طياته.

إن هذه الحقيقة لا يمكن تغييرها بل على المرء أن يشهد حصول الانهيار الأمر الذي سيتطور بشكل طبيعي. ولكن ثم قد جاء يوم انبعاث الروح وحياة جديدة! أما عبد العقل الحاكم منذ آلاف السنين فستكون البشرية قد تخلصت منه إلى الأبد! ولن يتاح له فرصة التمرد أبدا لأن الأدلة والخبرات الخاصة بالناس سترغمه على أن يرضخ أخيرا رضوخا تطوعيا، باعتبار نفسه مريضا ومسكينا روحيا، لما لم يكن بوسعه فهمه. فلن يتاح له فرصة معارضة الروح أبدا لا بالاستهزاء ولا بالحق الظاهري المبني على العنف مثلما طبق على ابن الله الذي اضطر إلى مكافحته.

حينذاك كان لا يزال أمام البشر فسحة من الوقت لدرء حدة الكارثة ولكن الآن قد انقضت المهلة إذ لم يعد يمكن في تلك الأثناء إقامة جسر بين جزءي المخ نتيجة للصلة المنحلة بينهما.

ثمة سيكون الكثير من الناس المطيعين لعقلهم فقط الذين يعودون يستهزئون بما يقال في هذه المحاضرة دون أن يكون في استطاعتهم إقامة دليل مضاد موضوعي حقيقي واحد إلا بعض الشعارات الفارغة على ما جرت عادتهم به، غير أن كل إنسان ملتمس رزين ومفكر تفكيرا أعمق سيعتد مثل هذه الحماسة المفتقرة إلى التبصر دليلا متجددا على ما سبق لي أن بينته في هذا الخصوص. فأولئك الناس ليسوا قادرين على غيره من السلوك مهما كانت مساعيهم المبذوّلة. وعليه فلنعتبرهم من الآن فصاعدا مرضى سرعان ما يحتاجون إلى المساعدة و … لننتظر انتظار الصابر.

ولا حاجة إلى أي كفاح أو أعمال عنف من أجل فرض التقدم الضروري على البشر إذ أن النهاية ستأتي تلقائيا. ففي هذا الشأن على حد سواء سيسري مفعول سير الأمور الطبيعي عن طريق نواميس التفاعل التي هي غير قابلة للتغيير وذلك بلا أية رحمة وفي الميعاد تماما.

وبعدئذ سينشأ «جيل جديد» مما قد تكهنت به عدة نبوآت. غير أنه لن يتألف من المواليد الجديدة فحسب، على ما قد ظهرت الآن في كاليفورنيا وأستراليا حيث تتميز بنوع من «البصيرة الجديدة»، وإنما في المقام الأول من أناس عائشين الآن في الأرض سيصبحون «بصراء» في عهد قريب وذلك من جراء الكثير من الحوادث الآتية. ثم يتميزون بنفس «البصيرة» التي تتميز بها الآن المواليد الجديدة. إذ ما هي هذه البصيرة إلا القدرة على أن يعيش الإنسان في العالم بروح مفتوحة غير مضيقة لم تعد تسمح للعقل بتضييقها أو قمعها. وبذلك سيخبو الإثم الوراثي!

ولكن لا علاقة بين «هذه البصيرة الجديدة» وتلك الصفات التي اعتاد الناس على أن يصفوها «بالمقدرات الغيبية». فالإنسان ذو «البصيرة الجديدة» هو في واقع الأمر الإنسان الطبيعي على ما حتم عليه أن يكون، لا غير! أما تعبير «الإنسان سيصبح بصيرا» فلا دخل له في موضوع إبصار الغيبيات بل إنه يعني «الاستبصار» والإدراك.

فعندئذ سيكون في استطاعة البشر أن يواجهوا كل الأمور دون أن يخضعوا لأي نوع من التأثير مما لا يعني إلا القدرة على الحكم الموضوعي. إنهم سيدركون الوجه الحقيقي للإنسان المطيع لعقله فقط وأن تحديده لبالغ الخطورة سواء لنفسه أو لبيئته خصوصا وأن هذا التحديد ينبثق منه في آن واحد الميل المتغطرس إلى الاستبداد واللجاج الذي هو في الحقيقة جزء منه.

كما سيدركون بالمنطق السديد أن البشرية جمعاء تعاني منذ آلاف السنين، بشكل تارة وبشكل آخر تارة، من هذا النير وأن هذا الورم السرطاني كان يقاتل على الدوام تطور الروح البشرية الحرة أي الغاية الرئيسية في كون البشر! ولن يفوتهم شيء ولا التأكد المر بأن البأساء وكل الأسى وكل سقوط أحدثها هذا الشر وأن الإصلاح لم يلح في الأفق أبدا لأن الاستبصار كان مستحيلا من أول الأمر نتيجة لتضييق قدرة الإدراك.

ولكن بالاستيقاظ قد توقف كل تأثير ونفوذ كان الناس المطيعون لعقلهم فقط يمارسونهما وذلك إلى أبد الآبدين. فعندئذ قد حل عهد جديد للبشرية يأتي بالإصلاح والتحسين كما لم يعد يمكن فيه أن يثبت ما تبقى من العصور السابقة قدميه.

وبذلك جاء يوم الانتصار الضروري الذي ينشده مئات آلاف الناس من الآن اليوم، الذي قد انتصرت فيه الروح على العقل الفاشل. وفي هذه المرحلة سيدرك الكثير من الناس التابعين للجماهير الضالة أنهم كانوا يؤولون تعبير «العقل» تأويلا خاطئا تماما. إن أغلبهم كان يقبله صنما من غير بحث لمجرد أن غيرهم من الناس كانوا يصفونه بهذه الصفة أيضا ولأن أتباعه بأجمعهم كانوا يحسنون التظاهر بأنهم الحكام المستبدون المعصومون من الزلل وذلك عن طريق استخدام العنف والقوانين. ولذلك لا يبذل الكثير من الناس جهودا على الإطلاق من أجل كشف التجوف والعلل الحقيقية التي اختفت وراءها.

غير أن هناك بعض الناس الذين يقاتلون هذا العدو منذ عقود من السنين وذلك بالطاقة والقناعة العنيدتين بشكل مضمر أو مكشوف جزئيا فيما يتعرضون أحيانا لأشد الآلام والأسى. بيد أنهم يقاتلون دون أن يعرفوا من هو العدو! مما يصعب بل يستحيل عليهم بديهيا من أول الأمر أن ينتصروا في قتالهم هذا. إن المقاتلين لم يحددوا سيفهم بشكل كاف لأنهم ظلوا يثلمونه في معارك ثانوية. فبهذه الأمور الثانوية وجهوا ضرباتهم للاشيء بما أضاعوا طاقتهم مما لم يسفر إلا عن الانشقاق فيما بينهم.

وفي الحقيقة هناك عدو واحد فقط يتوعد البشرية على طول الخط، ألا وهو سيطرة العقل المستبدة إلى حد الآن! وفي ذلك تجسمت الخطية الأولى البعيدة المدى التي هي أفدح ذنب ثقلت البشرية كاهلها به والتي استتبعت كل الأشرار الأخرى. وهذا هو ما تحول إلى الإثم الوراثي كما هو المسيح الدجال الذي تكهنت النبوآت بأنه سيرفع رأسه. أو بالأحرى، تكون سيطرة العقل وسيلته بما استسلم الناس له هو بصفته عدوا لله، المسيح الدجال بذاته … الشيطان!**

إننا نحن في وسط هذا العهد. إنه يقيم اليوم في كل إنسان مستعدا لإهلاكه إذ أن نشاطه يستتبع مباشرة ونتيجة طبيعية الإعراض عن الله حالما يسمح له بأن يتولى مقاليد الأمور.

وعليه، فليكن الإنسان على حذر للغاية. –

ولا يطلب من الإنسان الآن أن يصغر عقله بل أن يجعله وسيلة، مما يتوافق مع كنهه الطبيعي، وليس حاكما آمرا!

إن إنسان الجيل القادم لن يتمالك أن ينظر إلى وقتنا الراهن إلا بإحساس من الاشمئزاز والفزع والحياء، على غرار ما يحدث بنا عندما ندخل غرفة تعذيب قديمة. ففيها أيضا نشهد الأثمار الشريرة التي أنتجتها سيطرة العقل الباردة والقاسية. إذ لعل لا جدال في أن إنسانا من الناس لو تميز بنطفة من الفؤاد فقط وبذلك بنشاط روحه لما ابتكر مثل هذه الفظائع أبدا! أما اليوم فلا يختلف الأمر إجمالا، إنه أكثر تمويها نوعا ما ولكن شتى أنواع الشقاء الجماهيري لعبارة عن نفس الأثمار العفنة التي ظهرت آنذاك في التعذيب الفردي.

وإذا استحضر الإنسان بعدئذ ما حدث فيما مضى من الزمان لن ينقطع يهز رأسه مدهوشا. فسيتساءل كيف كان من الممكن تحمل هذه الأضاليل عبر آلاف السنين دون أن تمرد الناس عليها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تغرض نفسها: إنه كان ممكنا عن طريق العنف. فأينما وجهنا أنظارنا تتراءى هذه الحقيقة بوضوح. فبغض النظر عن العصور القديمة غير المعروفة لتاريخ البشرية يكفينا أن ندخل غرف التعذيب المذكورة آنفا التي استخدمت منذ وقت غير بعيد نسبيا.

إننا نقشعر نظرا لأدوات التعذيب القديمة هذه. فبئس البهيمية الباردة والوحشية المختفية وراءها! ولا يكاد يتشكك إنسان من الناس المنتمين إلى عصرنا في أن الأعمال المرتكبة فيها عدت من أبشع الجرائم. وبذلك اقترفت في المجرمين جريمة أبشع مما ارتبكوها قبل. على أن رب إنسان بريء أيضا أخرج من عائلته وحريته وحبس بفظاظة في هذه الأقبية. فما أكثر الولاول وصيحات آلام ما اضمحل فيها حيث أن الضحايا لم تملك لمعذبيها دفعا. وكتب على بشر أن يتحملوا أعذبة لا يمكن لنا أن نواجهها في أفكارنا إلا بالقرف والاشمئزاز.

ويتساءل كل إنسان لا إراديا ما إذا كان ممكنا حقيقة من الناحية الإنسانية ما حدث مع كل هؤلاء العزل وذلك في ظل حق ظاهري كانوا قد استولوا عليه ذات مرّة قهرا. كما اضطروا بعدئذ الناس المشتبه فيهم عن طريق أعذبة جسمية إلى أن يعترفوا بذنبهم حتى يتيسر لهم فيما بعد أن يقتلوهم على مهل. حتى ولو اعترفوا بذنبهم تحت ضغط التعذيب لكي ينجو من الأعذبة الجسمية اكتفى القضاة بذلك لأنهم احتاجوا إليه حتى يستجيبوا «للقانون». والسؤال المطروح في هذا الخصوص هو ما إذا كان هؤلاء المضيقون في أفق تفكيرهم يظنون حقيقة أنهم طهروا أنفسهم بذلك أمام المشيئة الإلهية على حد سواء ونجوا من ناموس التفاعل الأساسي الذي يسري مفعوله بلا أية رحمة؟

إما كان هؤلاء الناس حثالة مجرمين لا ضمير لهم أقدمون على القضاء على غيرهم من الناس وإما تراءى في أفعالهم التضييق المرضي لعقلهم الدنيوي بوضوح. أما شيء بين بين فيكون وجوده مستحيلا في هذه الحالة.

تجاوبا مع نواميس الخليقة الإلهية كان من المحتوم على كل وجيه وكل قاض مهما كان المنصب الذي يتولاه هنا في الأرض ألا يعتمد في أعماله على حماية هذا المنصب أبدا وإنما أن يتحمل هو بنفسه، شخصيا بحتا ومن غير الالتجاء إلى حماية هذا المنصب، كما هو الحال في كل إنسان آخر، أن يتحمل كامل المسؤولية عن كل ما يتخذه في منصبه من قرارات علما بأن هذه المسؤولية لا تمتد إلى الحيز الروحي فحسب بل الدنيوي أيضا. ثم سيولي كل إنسان أكثر أهمية ودقة لهذه الأمور بما لن يتردد ما يسمى «بالأضاليل» بهذه السهولة التي لا يمكن تدارك عواقبها أبدا ناهيك عن الآلام الجسمية والنفسية التي تعرض الناس المعنيين وأهلونهم لها.

ولكن دعونا ننظر إلى باب آخر تابع لهذا الموضوع ألا وهو باب المحاكمات التي كان الناس المدعى عليهم فيها من يسمون آنذاك «بالسحار والسواحر»!

إن من أتيح مرّة فرصة الاطلاع على ملفات قضائية خاصة بمثل هذه المحاكمات يتمنى بفوران حياء ملتهب لو أنه لا ينتسب إلى هذه البشرية. فإذا كان إنسان من الناس آنذاك ضليعا بأعشاب طبية سواء من جراء خبرات عملية أو التناقل مساعدا بعلمه هذا الناس المرضى الذين طلبوا ذلك منه فصار هو الآخر يتعرض للتعذيب بلا أية رحمة الذي لم يخلصه منه آخر الأمر إلا موت النار إذا لم يتوف جسمه من قبل متأثرا بهذه الفظائع.

وكان حتى الجمال الجسمي آنذاك من العوامل المؤدية إلى التعذيب، خصوصا عندما تميز إنسان ما بالعفاف الذي كان غير مرغوب فيه.

ثم موضوع أهوال ديوان التفتيش! إنها قليلة نسبيا السنين التي تفصل ما بيننا وبين هذه الأيام «آنذاك»!

اليوم نصف هذه الأمور مدركين بأنها كانت غير عادلة مثلما كان الشعب العائش آنذاك يحس به. إذ أنه لم يكن قد ضيقه «العقل» إلى هذه الدرجة بعد وإنما كان لا يزال يفسح هنا أو هناك المجال للشعور أي الروح.

ألا ندرك اليوم في كل ذلك تضييق أفق التفكير التام، الحماقة الامسؤولة؟

إن بشرية اليوم تنوه به متفوقة وهازة كتفيها استهجانا غير أن لا شيء قد تغير أساسا في عصرنا الذي نحياه الآن. فالغطرسة المنبثقة عن تضييق الأفق تجاه كل ما لا تفهمه مل زالت قائمة إلى حد الآن! الشيء الوحيد الذي قد تغير هو أن تلك الأعذبة قد حل محلها الاستهزاء العمومي بكل ما يتعذر على البشرية أن تفهمه نتيجة لتحديد أفق تفكيرها.

ليلم رب إنسان شجاعته مرّة وليفكر تفكيرا جديا في ذلك دون أن يرحم نفسه. إن أبطال العقل، أي أولئك الناس غير الطبيعيين على وجه تام، يعتبرون من أول الأمر كل إنسان دجالا، وكثيرا ما أمام المحكمة أيضا، إذا ما وهب القدرة على المعرفة بشيء يستغلق على غيره من الناس، إذا رأى على سبيل المثال عالم المادة الأثيرية بعينيه الماديتين الأثيريتين المادة باعتبار ذلك واقعة طبيعية لن يعود يتشكك فيها أحد عما قريب ناهيك عن مقاتلتها بوحشية.

وويل للذي لا يعرف بنفسه ماذا ليفعل به بل يحدث بكل السذاجة عما رآه وسمعه. عليه أن يخشى ذلك مثلما كان المسيحيون الأوائل يخشون الإمبراطور الروماني نيرون ذا أنصاره المستعدين للاغتيال والقتل أي وقت كان.

ولكن إذا وهب حتى غيرها من القدرات التي لن يدركها الناس المطيعون لعقلهم فقط أبدا فيصاد ويغتاب ويطرد حتما وبلا أية رحمة إذا لم يكن طوع يد كل إنسان. كما يسعون وراء «شل حركته»، على حد تعبيرهم، إذا كان ذلك ممكنا بأية طريقة من الطرق. ولا أحد يصابه تأنيب الضمير. إن مثل هذا الإنسان يعتبر إلى حد الآن فريسة لكل إنسان يتسم أحيانا بأقصى درجة من عدم الطهارة الداخلية. فكلما كان الإنسان أكثر تحديدا كلما زاد وهم الفطنة والميل إلى التكبر.

إن البشرية لم تتعظ على الإطلاق بهذه الوقائع التي جرت في الأزمان الغابرة بأعذبة البشر وإحراقهم وبهذه الملفات المضحكة التابعة للمحاكمات! إذ يسمح إلى حد اليوم بأن يدنس ويشتم كل إنسان ما هو خارق للعادة ويتجاوز قدرة فهمه دون أن يحاسب على ذلك. فلم يتغير شيء بالمقارنة مع الأوضاع السائدة آنذاك.

وحتى أدهى من القضاء كان ديوان التفتيش الذي كان صادرا عن الكنيسة. ثمة علوا على صيحات الناس المعذبين بصلوات خاشعة. إنه كان بمثابة تهكم على المشيئة الإلهية العاملة في الخليقة! وبذلك أثبت ممثلو الكنيسة في ذلك العصر أنه لم يكن لهم أي علم بمذهب المسيح الحقيقي ناهيك عن الألوهية ومشيئتها الخلاقة التي تكمن نواميسها ثانية في الخليقة وذلك من أولها وإلى آخر الدهر.

إن الله وهب الروح البشرية ذات كنهها الخاص بها اختيار القرار. فبواسطة هذا الاختيار فقط يمكنها أن تنضج وتنصقل وتتطور تطورا كاملا على النحو المطلوب منها. وليس هناك من سبيل آخر تحقيقا لذلك سوى الاختيار. ولكن إذا جرى قمع هذا الاختيار يمثل ذلك عائقة جسيمة إن لم يمثل ردا عنيفا إلى الوراء.

على أن الكنائيس المسيحية، كما هو الحال في أديان كثيرة أخرى، كانت تقاتل آنذاك هذا القضاء الإلهي بل كانت تتصدى له بأقصى درجة من الوحشية والبهيمية. فعن طريق التعذيب وآخر الأمر حتى الموت أزعمت على اضطرار بشر إلى انتهاج وسلك طرق والجهر بشهادات كانت تخالف اقتناعهم، بمعنى أنها كانت تخالف إرادتهم إذن. وبذلك لم ينتهكوا الوصية الإلهية فحسب وإنما منعوا هؤلاء الناس من تقدم أرواحهم بل ردوهم إلى الوراء مئات السنين.

لو تجلت في كل ذلك شرارة واحدة من الشعور الحقيقي، أي الروح، لما كان في حيز الإمكان أن ترتكب مثل هذه الجرائم! ومن ثم لم تحدث هذه الأعمال غير الإنسانية إلا برودة العقل.

إن التاريخ يثبت لنا أن رب بابا سمح باستخدام السم والخنجر من أجل تحقيق رغباته وغاياته الدنيوية البحتة. إن ذلك لم يكن في حيز الإمكان إلا في ظل حكم العقل الذي أخضع في انتصاراته المتصلة الكل دون أن يقف عند حد. –

وفوق الكل خيمت وما زالت تخيم بصورة سير الأحداث المحتوم مشيئة خالقنا المتصلبة. وعند الانتقال إلى الآخرة يكون كل إنسان مجردا من السلطة الدنيوية والحماية التي كانت توفرها. أما اسمه ومنصبه وما شابه ذلك فيبقى حيث هو. فلا تنتقل إلى الآخرة سوى نفس بشرية مسكينة كي تتقبل وتتذوق هناك ما كانت تبذره هنا. وليس ثمة من استثناء واحد! إن طريقها يفضي بها عبر كل تروس التفاعل الحتمي للعدالة الإلهية. فهناك لا توجد أية كنيسة ولا دولة وإنما نفوس أفراد فقط تحاسبوا على كل ما أخطأوا فيه!

إن من انتهك مشيئة الله، بمعنى أنه يقترف إثما في الخليقة، يخضع لعواقب هذا الانتهاك مهما كان منصبه وتعليله الذي يبرر به عمله، سواء أكان فردا قام بعمل باسم الكنيسة أو القضاء … إن الجريمة المرتكبة في الجسم أو النفس تكون وستكون جريمة! ولا يمكن تغيير هذه الحقيقة التي هي لا محالة ولا من خلال حق ظاهري ليس هو بالضرورة الحق في كل الحالات على الإطلاق. إذ غني عن البيان أن القوانين شرعها على السواء الناس المطيعون لعقلهم فقط بما تحمل التضييق الدنيوي بين طياتها.

ولنصوب مرّة بصرنا إلى الحق المعمول به في كثير من الدول وخصوصا في الأمريكتين الوسطى والجنوبية. إن الإنسان الذي يتولى اليوم مقاليد الحكم متمتعا بكامل الشرف قد يحبس أو يعدم غدا بتهمة أنه قد ارتكب جريمة ما إذا ما أفلح مناوئه في الاستيلاء على الحكم بعنف. إذا لم يفلح في إسقاط الحكومة يعتبر هو مجرما ويطارد بدال أن يعترف به حاكما. أما السلطات العامة فتخدم كليهما بنفس رضية أي واحد منهما كان حاكما. كما يتعين حتى على الرحالة أن يبدل ضميره مثلما يبدل ثوبا وهو يسافر من بلد إلى آخر حتى يعتبر في كل مكان إنسانا صالحا. إذ ما يعتبر في بلد جريمة يجوز كثيرا ما في بلد آخر أو ربما حتى يرحب به.

إن ذلك لا يمكن إلا في إطار منجزات العقل الدنيوي بينما يكون مستحيلا حيثما احتل العقل مكانته الطبيعية باعتباره وسيلة للروح الحية. إذ من أصغى للروح لن يغفل نواميس الله أبدا. فأينما اتخذت هذه النواميس قاعدة لا يمكن أن تقوم أية علل أو ثغر وإنما هناك لا تتجلى سوى الاتساق الموحد الذي يستتبع الغبطة والسلام. ومن الحتمي أن تتماثل تعابير الروح في ملامحها تماما أينما وجد الإنسان. فلا يمكن أن تتعارض أبدا.

ولن تتجاوز كل من القضاء والطب والحكم على السواء حيز الحرفة المعيبة ريثما ظلت تقوم على العقل فقط نابذة الطابع الروحي ظهريا. وبطبيعة الحال ينطلق ما تم شرحه من مفهوم «الروح» بمعناه الحقيقي. –

إن المعرفة لمنتوج بينما تمثل الروح الحياة التي لا يمكن قياس قيمتها وقوتها إلا بمقياس ارتباطها بمصدر الحيز الروحي. فكلما كان هذا الارتباط وطيدا كلما ازداد الجزء المنبعث من المصدر قيمة وقوة. ولكن كلما كان هذا الارتباط غير وطيد كلما ازداد ذلك الجزء المنبعث، أي الإنسان المعني، بعدا وغربة وعزلة وضعفا.

إن كل ما سبق من توضيح لبديهي لدرجة أن المرء يتعذر عليه فهم لماذا ظل الناس المطيعون لعقلهم فقط والضالون يغفلونه كالعمي. إذ ما ينتجه الجذر يتسلمه الجذع ثم النورة فالثمرة! ولكن في هذا الشأن أيضا يبدو تضييق أنفسهم العضال لأفق إدراكهم الذي أقاموا في شقة وعناء سورا حوله يستحيل الآن عليهم أن يبصروا ما يجري وراءه.

ولكن بابتسامة المختالة المتفوقة المستهزئة وبتكبرهم وازدرائهم بغيرهم من الناس، الذين لا يتسمون بمثل هذه الدرجة من الاستعباد، لا بد أن يظهروا لجميع الأحياء روحيا بمظهر مغفلين مساكين ومرضى. وبالرغم من الإشفاق عليهم يجب تركهم منغمسين في وهمهم لأن حدود إدراكهم لا تسمح لهم بأن تترك حتى حقائق أدلة مخالفة لمواقفهم أي أثر عميق في أنفسهم. ولا تشابه كل المساعي المبذولة في سبيل تحقيق أي إصلاح إلا السعي المحكوم عليه بالفشل الهادف إلى شفاء جسم إنسان مريض عن طريق وضع عباءة جديدة لامعة على كتفه.

ومن الآن قد مرت المادية على ذروتها وسرعان ما ستتهاوى فاشلة في كل صوب وحدب ولكن جارفة معها بعض الخير على السواء. أما أتباعها فقد استنفدوا كل ما في وسعهم، وعما قريب سيرتبكون نظرا لأعمالهم ثم لأنفسهم دون أن يكونوا على وعي بالهاوية التي قد انفتحت أمامهم. ولا يلبث أن يشابهوا رعية تفتقر إلى راعيها حيث لا يثق بعضهم في البعض كما سيسلك كل واحد طريقه الخاص متكبرا، رغم ذلك، على غيره من الناس وذلك عن غير وعي بل اتباعا للعادات السابقة فقط.

فمع كل هذه العلامات الظاهرية الدالة على تجوفهم سيهوون آخر الأمر في الهاوية كالعمي. وما برحوا يعتبرون روحيا ما لا ينشأ سوى عن أمخاخهم الذاتية. كيف يكون في مقدور المادة الميتة أن تنتج الروح الحية؟ إنهم يفتخرون في أمور كثيرة بتفكيرهم الدقيق غير أنهم لا يترددون أن يخلفوا على نحو لا مسؤول للغاية ثغرا في الأشياء الرئيسية.

وكتب على كل خطوة جديدة وكل محاولة متطلعة إلى الإصلاح أن تحملا جدب عمل العقل بين طياتها وبذلك بذرة الانحطاط المحتوم.

إن كل ما أقوله في هذا الخصوص لا يمثل تنبؤا ولا تكهنا واهيا وإنما العاقبة الحتمية للمشيئة الخلاقة التي تنفخ الحياة في كل ما يكون والتي أوضح نواميسها في محاضراتي. إن من لحق في ذهنه بي في الطرق التي أشير إليها في محاضراتي بجلاء سوف يرى ويدرك النهاية الضرورية بالتأكيد. إذ تتراءى كل البوادر المشيرة إليها من الآن.

إن البشرية تنوح وتصيح مشمئزة من أن نواتئ المادية تكون ماثلة في أشكال لا تصدق. إنها تتضرع وتصلي لأجل الخلاص من العذاب وللإصلاح والشفاء من الانحطاط الذي لا حد له. أما تلك القلة القليلة من الناس الذين استطاعوا أن ينقذوا أية خلجة من فيضان الأحداث اللاتصدق والذين لم يختنقوا في الانحطاط العام الذي يحمل خداعا اسم «التقدم» فهؤلاء الناس القليلون يحسون بأنهم كالمطرودين والمتخلفين خصوصا وأن الأتباع الجفاة لعصرنا الحديث يعاملونهم هكذا حيث يستهزئون بهم ويضحكون منهم.

إن جميع الذين تجرأوا على أن لا ينتسبوا إلى نزوع الجماهير بل افتخروا بأن يتخلفوا في المسلك المنحدر يستحقون أن يتكللوا بإكليل غار!

ومن لم يزل يعتبر نفسه بائسا بسبب ذلك الوضع إنما يشابه من يسير وهو نائم! افتحوا عيونكم! ألا تروا أن كل ما يكئبكم هو بداية النهاية الفجائية للمادية التي يبدو فقط وكأنها ما زالت حاكمة؟ إن كل البناء على وشك الانهيار دون أن يساهم فيه أي من الذين كانوا يعانون وما زالوا يعانون منه. ولا مفر للإنسانية المطيعة لعقلها فقط من أن تحصد الآن ما أنتجته وغذته وربته وعبدته عبر آلاف السنين.

إنها مدّة طويلة من الزمن بالنسبة للتاريخ البشري، أما بالنسبة لمطاحين الله العاملة تلقائيا فإنها حقبة وجيزة من الدهر. فأينما صوبتم أنظاركم تشهدون الفشل والعجز. إنه يموج إلى الوراء وينتصب متوعدا مثل سد ثقيل لكي لا يلبث أن يدفن منقلبا ومنهارا كل عباده تحته. إنه ناموس التفاعل المتصلب الذي تظهر فعاليته عند هذا الانعكاس بشكل مفزع لأن البشرية لم تغير اتجاهها نحو التطلع إلى الأعلى رغم الكثير من الخبرات المكتسبة وإنما، بالعكس، ظلت تسلك الطريق الخاطئ الذي ازداد عرضا كلما طال كون البشر في هذه الأرض.

أيها اليائسون، لقد آن الأوان! ارفعوا جبينكم الذي كنتم كثيرا ما تخفضونه في حياء عندما آذاكم كل من الظلم والحماقة. انظروا إلى الخصم برصانة الذي حرص على قمعكم لهذه الدرجة!

إن الحلة البهية التي كان يرتديها إلى حد الآن قد رثت للغاية. فمن كل الثقوب تبدو للإنسان أخيرا صورته الحقيقية. فمنها ينظر المنتوج المرهق للمخ الإنساني أي العقل الذي سمح بأن يرفع إلى عرش الروح، ينظر نظرة بلهاء وحائرة ولكنها ما زالت مختالة!

انزعوا بلا أي حرج الغشاوة من عيونكم والتفتوا إلى ما وراءكم ثاقبي النظر. وحسبنا أن نطلع على بعض الجرائد التي هي على وجه العموم حميدة السمعة، فنرى ونحن نقرأها السعي المتشنج إلى التشبث بكل المظاهر والأخاديع القديمة. إنهم يحاولون أن يستروا البلاهة الماثلة للعيان أكثر فأكثر. وذلك بالعجرفة ونوع من النكت التي هي كثيرا ما غليظة جدا. وفي حالات كثيرة يقصد إنسان ما أن يحكم على ما لا يدركه في واقع الأمر على الإطلاق.

وفي حيرة يلجأ اليوم حتى بعض الناس ذوي أخلاق وكفاءات حسنة إلى الطرق غير النزيهة لمجرد أنهم يرفضون الاعتراف بأن الكثير من الأشياء تتخطى قدرة إدراك عقلهم الذي أرادوا إلى حد الآن أن يعتمدوا عليه فقط. إنهم لا يحسون بأن تصرفاتهم لمضحكة ولا يرون ضعفهم الذي يساعدون بها على اتساعه. ولا يلبث أن يواجهوا الحقيقة حائرين ومخطوفي البصر كما سيطلون حزناء على حياتهم الضائعة مدركين أخيرا ولو في حياء أن الحماقة كانت تختفي بالذات وراء تلك الأشياء التي ظنوا أنفسهم فيها حكماء.

ما هو المستوى الذي قد انتهت البشرية إليه؟ إن إنسان العضلات هو البطل! هل حدث مرّة في تاريخ البشرية أن أي بحاث عليم قد اكتشف بعد عقود من البحث الشاق مصلا من المصول يقدم سنويا مئات آلاف الناس من الصغير والكبير الوقاية من أمراض فتاكة هل حدث مرّة أن مثل هذا البحاث هتفت له الجماهير مثلما تهتف لملاكم يغلب على الإنسان الأخ بواسطة الوحشية المادية البحتة؟ والسؤال المطروح هنا هو هل يستفيد أية نفس بشرية من هذه الملاكمات أي نفع؟ كلا، فكل هذه النشاطات تظل على الدوام دنيوية بحتة أي على مستوى دني في رائعة الخليقة بأسرها! مثله مثل العجل الذهبي، رمز نشاط العقل، باعتباره انتصارا لهذا الأمير الظاهيري المتزعزع المتقيد بالأرض على البشرية المضيقة من حيث أفق إدراكها!

ولا أحد يرى هذا الانزلاق الجنوني إلى الهاوية المروعة!

ومن شعر به ما زال يلوذ بالصمت واعيا في حياء أن الناس سيضحكون منه إذا تكلم عما يشعر به. إنه بمثابة حالة من الخبل غير أن الإدراك البازغ لعجزهم تكمن فيها أيضا. وإحساسا شيئا فشيئا بالعرفان تزداد دخائلهم تمردا عليه عنادا وعجبا ذاتيا وأخيرا وليس آخرا خوفا وفزعا مما سيأتي بعده. إنهم لا يريدون أن يفكروا من الآن في نهاية هذه الأضلولة المهلكة مهما كلفهم ذلك الأمر! فإنه قد تحول إلى التشبث التشنجي بالبناء الشامخ الذي ظلت البشرية تقيمه عبر آلاف السنين والذي يشابه تماما برج مدينة بابل حيث سيلقى بناء عصرنا آخر الأمر نفس مصيره!

إن المادية، الحاكم المستبد إلى حد الآن، تضم نذير الموت في طياتها مما يتجلى كل شهر أكثر فأكثر. –

ومع ذلك تتهيج نفوس بشرية عديدة في كل بقاع هذه الأرض! إن لمعان الحقيقة لا تغطيه إلا طبقة رقيقة من المواقف القديمة الخاطئة التي ستجرفها أول نسمة من التطهير لأجل إطلاق سراح النواة التي يتحد تألقها مع الكثير من النوايات المتألقة الأخرى كي تترعرع بشكل مخروط من أشعة يصعد إلى الأعلى مثل نار معبرة عن الشكر الوافر نحو ملكوت البهجة النيرة ساجدا لخالق العالمين.

وهذا سيكون العصر الألفي المنشود الذي يقبل علينا كنجمة أمل عظيمة وتبشير ساطع!

وبذلك ستكون البشرية قد كفرت عن الكبيرة التي ارتكبتها ضد الروح والتي ظلت تقيدها في الأرض تحت أثر العقل! وذلك سيكون بالتالي سواء السبيل الذي سيهتدي الإنسان به من جديد إلى كل ما يكون طبيعيا وفطريا. إنه سبيل مشيئة الخالق الذي يريد أن تكون أعمال البشر عظيمة وأن تسري مشاعر حية فيها! على أن انتصار الروح سيكون في الوقت نفسه الانتصار لأطهر محبة!

* خطاب «أنا هو القيامة والحياة …!»

** خطاب «المسيح الدجال»