استيقظوا أيها الناس، من نومكم العميق! أدركوا العبء الحقير الذي تحملونه والذي يثقل كواهل ملايين الناس بضغط تجل شدته عن الوصف! هل يجدر بأن تحملوه؟ كلا، لا يجدر أن تحملوه ثانية واحدة!
ماذا يحمل بين طياته؟ إنه الهشيم الفارغ الذي تذروه نسمة واحدة من الحقيقة. إنكم أضعتم وقتكم وطاقتكم على شيء عديم القيمة. وعليه حطموا القيود التي تضيقكم وتقمعكم وحرروا أنفسكم أخيرا!
إن الإنسان الذي يظل متقيدا في نفسه يكون إلى الأبد عبدا وإن كان ملكا.
إنّكم تقيدون أنفسكم بكل ما تطمعون في أن تتعلموه. ولتلفتوا أنظاركم إلى الشيء التالي: بعملية التعلم تضغطون أنفسكم في أشكال غير أشكالكم التي ابتدعوها أناس آخرون وتعتنقون طوعيا قناعة غير قناعتكم كما لا تتبنون إلا ما عاش أناس آخرون في داخلهم ولأنفسهم.
وضعوا في اعتباركم ما يلي: إن ما ينطبق على أحد الناس لا ينطبق على كلهم. وما ينفع أحد الناس قد يضر بإنسان آخر. فيتعين على كل فرد أن ينهج نهجه الخاص إلى مأرب الاكتمال. وعدة لذلك تخدمه الكفاءات والمهارات التي أوتيها. وكان لزاما عليه أن يستهدي بها وأن يستند إليها! وإلا يظل غريبا على ذاته واقفا على وجه الدوام جنب المادة التي تعلمها، فلا يمكن أن يعيشها حيّة في داخله، وبذلك يستحيل عليه أن ينفع منها أي نفع. إنه يحيا ولا يعيش، فلا يفلح في أن يمضي قدما.
اسمعوا، أيّها الذين تتوقون إلى النور والحقيقة جدية:
على كل فرد أن يعيش في داخله الطريق إلى النور، عليه أن يكتشفه بنفسه إذا شاء أن يسير فيه بثبات. ولا يدرك الإنسان إدراكا كاملا إلا ما يعيشه في داخله وما يشعر به من كل الجوانب.
إن كلا من السراء والضراء يطرقان الباب باطراد لكي يشجعاه ويستحثاه على الاستيقاظ الروحي. وكثيرا ما يتملص الإنسان بالتالي بعض الثواني من كل تفاهة للحياة اليومية محسا في الهناءة والكآبة بالصلة مع الروح التي تسري في كل ما يحيا.
فكل شيء من الحياة ولا شيء من الموات! طوبى لمن يقبض ويمسك بمثل هذه اللحظات من الصلة من أجل استخدامها للصعود. وينبغي ألا يتمسك في ذلك بأشكال جامدة بل على كل إنسان أن يطور نفسه من داخله.
لا تهتموا بالمستهزئين الذين لم يكونوا لهم عهد بعد بالحياة الروحية. فمثل السكرانين والمرضى يقفون أمام رائعة الخليقة العظيمة التي تقدم لنا هذه الوفرة من النعيم. كما أنهم مثل العمي الذين يتحسسون طريقهم في حياتهم الأرضية وهم لا يبصرون كل الروعة حولهم!
إنهم مرتبكون ونائمون، فكيف يمكن لشخص ما، على سبيل المثال، أن يدعي أن لا كون إلا لما يراه؟ وأن لا حياة لما لا يبصره بعينيه؟ وأن كونه يزول بممات جسمه لمجرد أنه كان في عماه عاجزا إلى حد الآن عن الاقتناع بعكس ذلك بواسطة عينيه؟ ألم يعلم بعد من أشياء كثيرة بمدى تحديد مقدرة العين؟ ألم يدر بعد أن ذلك التحديد يتعلق بمقدرة المخ المقيدة بالزمان والمكان. وأنه يعجز لهذا السبب عن بصر كل ما يعلو عن الزمان والمكان بعينيه؟ ألم يتضح لأي من هؤلاء المستهزئين مثل هذا التعليل العقلي المنطقي بعد؟ وليست الحياة الروحية، ولنطلق عليها اسم الآخرة أيضا، إلا ما تعلو تماما عن التقسيم الدنيوي للزمان والمكان بمعنى أنها تحتاج إلى سبيل مكافئ لأجل إدراكها.
إلا أن عينينا لا تبصران حتى ما يمكن تقسيمه إلى الزمان والمكان. فلنأخذ نقطة الماء التي تظهر لكل عين صافية بلا ريب والتي، عند فحصها بالمجهر، تحمل بين طياتها ملايين الكائنات التي تتقاتل وتتنافى بلا أية هوادة. ألا يتضمن الماء والهواء في بعض الأحيان من الجراثيم التي تتمكن من تدمير أجسام إنسانية والتي لا تبصرها العينان؟ غير أنها تتجلى بهذه الأدوات المضبوطة.
من لم يزل يتجرأ بالتالي على الادعاء بأنكم لن تبصروا أشياء جديدة غير معروفة حتى الآن حالما تزيدون هذه الأدوات ضبطا؟ ضاعفوها ضبطا آلاف أضعافها، ملايين أضعافها، ولن تضعوا حدا لما تبصرونه من كائنات بل ستظلون تكتشفون عالمين جديدة تتفتح أمامكم، في حين لم يكن في استطاعتكم من قبل أن تبصروها أو تحسوها غير أنها كانت موجودة.
وبواسطة التفكير المنطقي يتيسر لكم أن تستنتجوا نفس الاستنتاجات التي توصل العلم إليها حتى الآن. فإنها تشير إلى التقدم والتطور المتواصلين غير أنها لا تشير إلى أيّة نهاية.
والآن نتساءل ما هي الآخرة؟ إن الكثير من الناس تربكهم الكلمة بعينها. إن الآخرة هي مجرد كل ما لا يمكن إدراكه بواسطة وسائل دنيوية. ومن هذه الوسائل الدنيوية تعد العيون والمخ وأعضاء الجسم الأخرى كما تعد منها الأدوات التي تساعد هذه الأعضاء على أن تنجز عملها على نحو أكثر فاعلية وضبطا وعلى أن توسع حيز نشاطها.
ويسعنا إذن أن نقول: إن الآخرة هي ما يعلو عن مقدرة إدراك عيوننا المادية. ولكن ليس هناك فصل ولا هوة بين الدنيا والآخرة! بل الكل يكون موحدا على غرار الخليقة بأجمعها. إن قوّة واحدة تسري في الدنيا وفي الآخرة فالكل يستمد طاقته للعيش والنشاط من تيار الحياة هذا بما يرتبط هذا الكل ارتباطا متلازما به. وانطلاقا من ذلك يتضح لنا ما يلي:
إذا مرض أحد أجزائهما يتأثر الجزء الآخر حتما بهذه الحالة من المرض أسوة بالجسم المادي. فعلى أساس تجاذب الأنواع المتجانسة تسيل بالتالي مواد مريضة من هذا الجزء الآخر إلى الجزء المصاب مشددة بذلك هذا المرض. وإذا أصبح مثل هذا المرض عضالا يلزم بالضرورة التخلص من هذا العضو المريض تفاديا للإلحاق بالكل أضرارا باطراد.
ولهذا السبب غيروا موقفكم. فما من دنيا ولا آخرة بل من كون موحد لا غير! أما فكرة الفصل بينهما فيعزو ابتكارها إلى الإنسان وحده لانه لا يتمكن من أن يبصر كل ما حوله ظنا من نفسه أنه هو المركز والبؤرة للبيئة المرئية له. بيد أن نطاق نشاطه أكثر محيطا من مجرد محيط المرئيات. ومن شأن فكرة الفصل الخاطئة هذه أن يقيد الإنسان نفسه بها قسرا، واضعا عراقيل أمام سيره قدما، مفسحا المجال للخيال المفتقر إلى أي عنان حيث يتمخض عن صور نكراء.
هل من المفاجئ إذن أن الكثير من الناس، نتيجة لذلك، لا يردون إلا بابتسامة تشك في صحة كل هذه الأمور في حين يعبدها بعض الناس الآخرون عبادة مرضية تتحول إلى التبعية الصاغرة وينجلي عن التعصب المتشدد؟ ثم من لا يزال يدهش الآن أن بعض الناس صاروا يخشون بل يخافون ويرتعدون؟
بعدوا كل ذلك عنكم! لماذا تعرضون أنفسكم لهذا التعذيب؟ حطموا هذا الحاجز الذي حرص موقف الناس الخاطئ على إقامته غير أنه لم يكن قائما قط! إن موقفكم الخاطئ هذا الذي كنتم تميلون إليه حتى الآن يضع كذلك قاعدة خاطئة تسعون بالاستناد إليها عبثا إلى التماس الإيمان الحقيقي أي الإقتناع القائم في داخلكم على نحو موصول. وبالتالي تصادفون في ذلك نقطا وشعابا التي تجعلكم حتما متزحزحين وشكاكا أو تضطركم إلى تحطيم كل البناء من قبل أنفسكم وأنتم قد تتركون بعدئذ الكل يأسا وحنقا.
غير أنكم أنتم وحدكم الخاسرون لأنه ليس عبارة عن سيركم قدما بل عن الركود أو حتى التقهقر. أما الطريق الذي لا بد لكم أن تسلكوه في يوم من الأيام فيطال لكم بذلك.
ولكن عندما ستكونون أخيرا قد أدركتم الخليقة جملة لا تتجزأ، على ما هي عليه، وأنتم لا تفرقون بين الدنيا والآخرة ثم قد وجدتم الصراط المستقيم فيقترب المأرب الحقيقي أكثر منكم والصعود يملأكم فرحا ورضا. وهكذا يتاح لكم أن يزداد إحساسكم وفهمكم رهافة للتفاعلات التي تنبض في جملة الخليقة الموحدة نبضا دافئا لأن كل النشاط تدفعه وتسنده تلك القوة الواحدة. وبذلك ينبلج لكم نور الحقيقة!
وسرعان ما ستدركون أن الميل إلى الاستهزاءات لا يتسبب لدى الكثير من الناس إلا عن راحتهم وخمودهم لما يستدعي من مشقة أن يقوضوا أفكارهم ومبادئهم التي كانوا يرتكزون إليها إلى حد الآن وأن يقيموا بدلا منها بناء جديدا. كما تتدخل عملية التحول هذه لدى بعض الناس الآخرين في طريقة الحياة التي اعتادوا عليها بحيث يعتبرونها غير مريحة وبذلك غير مرغوب فيها.
لا تهتموا بأمثالهم من الناس ولا تشاجروا معهم بل ساعدوا بتقديم معرفتكم الذين لا يكتفون بالمتع الفانية ولا يطمحون في حياتهم الدنيوية مثل الحيوانات في مجرد ملئ معدهم. لا تدفنوا كنزهم أمام هؤلاء الناس وإنما قدموا لهم العرفان الذي منح لكم. إذ أن هذا الإعطاء يمكنكم بدوركم عن طريق التفاعل من إغناء وتعزيز معرفتكم.
إن الكون يعمل فيه ناموس خالد وهو أن التقبل لا يمكن إلا بواسطة الإعطاء عندما يتعلق الأمر بالقيم الباقية! ينفذ مفعول هذا الناموس نفاذا عميقا في الخليقة بأسرها مثل ميراث مقدس لخالقها. فالإعطاء الذي لا يطلب الثواب وتقديم المؤازرة حيثما كانت ضرورية والفهم لكل من حالة البؤس التي تساور الغير وعلله الشخصية إنما يعني التقبل لأنه عبارة عن الطريق البسيط الحقيقي لله العلي!
وذلك، إن شئتموه جديا، يوافيكم مباشرة بالمساعدة والقوة! إذا تمنيتم بالخير، عن طريق أمنية واحدة تأتي من أعماق قلبكم، يقوض من قبل الجانب غير المرئي لكم حتى الآن، كما بسيف متوهج، السور الذي كانت أفكاركم نفسها تقيمه إلى حد الآن، إذ أنكم تتحدون مع الآخرة التي تخشونها أو تنكرونها أو تشتاقون إليها، إنما أنتم ترتبطون بها ارتباطا وثيقا ومتلازما.
حاولوه، فأفكاركم هي السعاة الذين تبعثونها والذين يعودون إليكم بشكل محمل للغاية على نحو صيغ أفكار متشابهة، سواء أكانت من الخير أم من الشر، إنه سيحصل ما تحتوي عليه هذه الأفكار! فلتأخذوا في اعتباركم أن أفكاركم بمثابة أشياء حقيقية تتكون روحيا وتتحول كثيرا ما إلى أشكال تبقى بعد زوال جسدكم الدنيوي. فنظرا لذلك ستتضح لكم بالتالي أمور كثيرة.
وعليه فإن مقولة «إن أعمالهم تتبعهم!» لمن الصحة التامة. إن ما تصاغون في أفكار هو بمثابة أعمال ترتقبكم في يوم من الأيام! كما تحيطكم بدوائر نيرة أو مظلمة لا بد لكم من أن تجتازونها لكي تدخلوا العالم الروحي. فلا حمى ولا تدخل يمكن أن يغاثاكم لأن تقرير مصيركم أعطي في أيديكم. ولذا يتعين عليكم أن تخطوا أول خطوة بأنفسكم في كل الأمور. إنها ليست صعبة وإنما تكمن محضا في الإرادة التي ترتسم في الأفكار. وعلى هذا النحو تحملون السماء أو الجهنم في أنفسكم.
إن الخيار أعطي في أيديكم غير أنكم بعدئذ عرضة نهائيا لعواقب أفكاركم وإرادتكم! إنكم أنتم توجدون هذه العواقب بأنفسكم ولذلك أطالبكم بما يلي:
«حافظوا على طهارة بؤرة أفكاركم فبذلك تصلحون وتسعدون!»
ولا تنسوا أن كل فكرة من أفكاركم تنتجونها وتبعثونها من شأنها أن تجتذب في طريقها كل الأنواع المتجانسة لها أو تلتصق بأناس آخرين بحيث تتقوى أكثر فأكثر وتصيب أخيرا هدفا أي مخا من الأمخاخ قد لا ييقظ لمدّة لا تتجاوز بعض الثواني بما يفسح أمام مثل هذه الصيغ من الأفكار الطائرة المجال للنفوذ إليه والتأثير عليه.
وضعوا بعين الاعتبار الوزر الذي تحملونه إذا ترجم أي شخص ذات يوم هذه الفكرة إلى العمل لأنها أثرت عليه! وينبعث هذه المسؤولية التي تتحملونها أصلا من واقعة أن كل فكرة على حدة تظل مرتبطة بكم كما بخيط غير قابل للتمزق فيما تعود بعدئذ إليكم حاملة معها القوة التي حظيت بها في مسيرها حيث يثقلكم أو يسعدكم حسب نوع الفكرة التي كنتم قد أنتجتموه من قبل.
وعلى هذا النحو تقومون في عالم الأفكار مفسحين المجال لصيغ أفكار متشابه بطريقة تفكيركم. ولذلك لا تضيعوا قوة التفكير بل اجمعوها للدفاع والتفكير الثاقب الذي ينطلق مثل السمهريات مؤثرا على الكل. ولتحولوا أفكاركم على هذا النحو إلى السمهرية المقدسة التي تكافح للخير وتشفي الجروح وتنهض بالخليقة كافة!
ولذا كيفوا تفكيركم الموجه إلى أعمالكم ومضيكم قدما مع هذه الواقعة! وتحقيقا لذلك يجب عليكم أن تهزوا رب عمود يساند وجهات نظرو آراء عتيقة تقليدية. وكثيرا ما تتجسم في مفهوم من المفاهيم لم يفطن إليه الإنسان على نحو صحيح بحيث لا يهتدي إلى سواء السبيل. وفي هذه الحالة لابد من أن يرجع إلى النقطة التي انطلق منها. إن لمحة واحدة من النور تقوض كل البناء الذي كان الإنسان يقيمه طوال عقود من الزمان في جهد ومشقة. فبعد اجتيازه حالة وجيزة أو طويلة المدة من الذهول يعيد يسمر عن ساعده! إنه مضطر لذلك لأن الكون ليست فيه حالة من التوقف. لنأخذ على سبيل المثال مفهوم الزمن:
إن الزمن ينقضي! إن الأزمنة تتغير! وعلى هذا الوجه يسمع المرء الناس يتكلمون في كل مكان فيما تتراءى تلقائيا في الذهن صورة معينة: إننا نرى الأزمنة تمر علينا بأوجه متغايرة!
ويعتاد الإنسان على اعتناق هذه الصورة شيئا فشيئا التي تضع كذلك للكثير من الناس أساسا ثابتا يرتكزون إليه باستمرار يوطنون أنفسهم عليه في كل بحوثهم وتأملاتهم. وما إن قضت فترة وجيزة حتى لقوا عقبات تتعارض بعضها مع بعض. وثمّ، على الرغم من بذلهم جهودا جدية إلا أن بعض الأمور لم تعد تتناسق. فيضيعون تاركين ثغرات لا يفلحون في سدها رغم بذل كل ما في وسعهم من جهود التأملات.
ويعتقد رب إنسان على أعقاب ذلك بأنه في مثل هذه الحالات لا محيد عن الإيمان استبدالا بإخفاق التفكير المنطقي. غير أن ذلك خطأ! لا يؤمن الإنسان في الأشياء التي لا يعقلها! وإنما ليحرص على أن يفطن إليها وإلا يفتح الباب على مصراعيه للأخطاء التي من شأنها أن تحطّ من الحقيقة.
وما هو الإيمان دون الفهم إلا عبارة عن الخمول والكسل الفكري! فهذا لا يهدي الروح إلى الأعلى بل يضغطها إلى الأسفل. ولذلك ارفعوا بصركم إلى الأعلى، ينبغي علينا أن نفحص ونبعث. وإنه ليس من العبث أن النزوع إلى ذلك يكون متأصلا فينا.
الزمن! هل يقتضي حقيقة؟ لماذا نلقي عقبات إذا ما أردنا التعمق في هذا المبدأ؟ إن التعليل لمن البساطة لأن الفكرة الأساسية خاطئة إذ أن الزمن يقف وقوفا! غير أننا نسرع نحوه! إننا نقتحم الزمن الذي هو خالد باحثين فيه عن الحقيقة.
إن الزمن يقف وقوفا حيث يبقى على حاله، سواء اليوم أو أمس أو بعد ألف سنة! فتتغير فيه الأشكال فقط. ونحن ننغمس في الزمن لكي نستمد من حجر مدوناته بغية إغناء معرفتنا! ولم يفقد الزمن شيئا واحدا بل احتفظ بكل ما جرى فيه. ولا تغير لأنه خالد.
وأنت أيضا، أيها الإنسان، تبقى على الدوام نفس الشخص، سواء أتظهر بمظهر الشاب أو العجوز! إنك تظل تجسد ذات الشخص الذي كنت تجسده! أفلا يسبق لك أن أحسست بذلك؟ ألا تتنبه تنبها واضحا إلى الفرق بين الشكل و«أناك»؟ بين الجسد الخاضع للمتغيرات ونفسك، الروح التي هي خالدة؟
إنكم تبحثون عن الحقيقة! ما هي الحقيقة؟ إن ما تعتبرونه اليوم حقيقة سينكشف غدا أخطاء ستعودون تكتشفون فيما بعد ذرات من الحقيقة فيها! إذ أن الوحي في العصور المتعاقبة تغير أشكاله على حد سواء. وعلى هذا المنوال تتواصل الأزمنة التي تبحثون فيها عن الحقيقة بحثا مستمرا، غير أنكم تنضجون من خلال هذه التحولات!
أما الحقيقة فتبقى دائما على حالها دون أن تتغير لأنها خالدة! وبما أنها خالدة يستحيل إدراكها بصورة طاهرة وواقعية بواسطة الحواس الدنيوية المحيطة بتحول الأشكال فحسب!
ولذلك أصبحوا من الروح! خلصًا من كل الأفكار الدنيوية وبالتالي قد نلتم الحقيقة وأنتم تقومون فيها بحيث تسبحون فيها وهي تحيط بكم بأشعة نورها الطاهر. إنكم تعومون فيها حالما تصبحون من الروح.
ثم لم يعد ضروريا أن تتعلموا علم الإنسان في جهد ومشقة وأن تخشون أخطاء بل كلما ألقيتم سؤالا قد وجدتم الجواب في الحقيقة نفسها. بل، زيادة على ذلك، ستكفون عن إلقاء أسئلة لأنّكم، دون أن تتفكرون، تدرون وتحيطون بالكل لأن روحكم تحيا في النور الطاهر، في الحقيقة.
وعليه تحرروا روحيا! حطموا القيود التي تضغطكم إلى الأسفل. وإذا تخللت عملية تحرركم عقبات رحبوا بها ترحيبا متهللا لأنها تصير بكم إلى الطريق المؤدي نحو الحرية والقوة! اعتبروها هدية تستفيدون منها وبالتالي ستتغلبون عليها بلا أيّة صعوبة.
فإما توضع هذه العقبات في طريقكم من أجل تهذيبكم وتطويركم بما تزيدون من وسائلكم للصعود وإما هي ردود فعل على أي خطية ارتكبتموها حيث يتيسر لكم بهذه الطريقة أن تتندموا عليها وتتحرروا منها. وفي كلتا الحالتين تساعدكم على مضيكم قدما. ولذلك لموا شجاعتكم وواجهوها، فإنه من أجل خيركم!
ومن الغباء أن تنعتوها بملمات أو بلايا فكل كفاح وكل نوع من البؤس عبارة عن التقدم. فبذلك يتاح للناس فرصة التوب عن الخطايا التي كسبوها سابقا إذ من المستحيل أن يعفى الفرد حتى من مثقال ذرة منها لأن كذلك في هذا الشأن تتأكد صلابة دورة النواميس الخالدة الفعالة في الكون التي تتجلى فيها مشيئة الأب الخلاقة التي تعفو بذلك عنا مبددة كل ما كان مظلما.
وتكون الخليقة منظمة بمثل هذه الطريقة من الجلاء والحكمة أن ما لا يزيد عن مثقال ذرّة من التحول عنها سيحطم العالم بالتأكيد.
ولكن ما بالإنسان الذي يحتم عليه أن يتندم على الكثير من الخطايا، ألا من مصيره أن ييأس ويقشعر نظرا للآثام التي ارتكبها؟
إنه ليبتدئ مطمئنا ومسرورا بالتوب على معاصيه حالما يشاء ذلك مشيئة صادقة! إذ أن موازنة خطاياه لممكنة عن طريق تيار مقابل يتجسد في قوة النية الحسنة التي تصبح في الحيز الروحي حية وسلاحا قويا، على غرار صيغ الأفكار الأخرى، فيما هي قادرة على التجريد من كل عبء مظلم وكل نوع من الثقل وعلى الصيرورة بالأنا إلى النور!
إن قوّة الإرادة لمن بأس يستهين به الكثير من الناس حيث تجذب كل القوى المتجانسة على غرار مغناطيس غير قابل للتعطل، فتتحول إلى ما يشابه تيارا جارفا، وبالاشتراك مع القوى المشابهة بها روحيا تنعكس على نقطة انطلاقها، أي المنشأ أو بالأحرى الشخص الذي أطلقها حيث ترقيه عاليا إلى النور أو تضغطه إلى سفل الوحل والحمأة! بحسب مشيئة صاحبها.
ومن يضطلع بهذا التفاعل المتأصل في الخليقة بأجمعها والذي يظهر باطراد وبالتأكيد الذي لا ريب فيه إنما مثل هذا الإنسان يعرف كيف يستفيد منه كما لا بد له أن يحبه ويخشاه! ولمثل هذا الإنسان يبيت العالم غير المرئي حوله شيئا فشيئا حيا إذ أنه يحس بأثره إحساسا جليا بحيث ينسحب عنه كل ما ساوره من شك.
وحالما ينتبه إليه قلّة انتباه فإنه ليشعر بالموجات القوية للنشاط غير المنقطع التي تؤثر عليه آتية من الكون الواسع. وآخر الأمر سيحس بأنه بؤرة تيارات قوية على غرار عدسة تستوعب أشعة الشمس وتجمعها في نقطة واحدة حيث تولد قوة قد تمارس أثرا مهيجا أو سافعا أو مهلكا في حين قد تسيل كذلك شافيا ومنعشا وآتيا بالبركة قادرا على إشعال نار متأججة!
وإنكم أنتم كذلك بمثابة مثل هذه العدسات. فمن خلال إرادتكم تتمكنون من إذاعة تيارات القوة غير المرئية هذه التي تنزل عليكم وأنتم تستعملونها على نحو مكتل من أجل حسن النية أو سوءها لأن تأتوا البشرية بالبركة أو الهلاك. إنه في استطاعتكم كما ينبغي عليكم أن تشعلوا بذلك نارا متأججة في أنفس الناس، يعني نار الحماس من أجل الخير والكرامة والإكمال!
ولا يستلزم ذلك إلا قوة الإرادة التي تجعل من الإنسان نوعا ما سيد الخليقة فيما يحدد مصيره بنفسه. إن إرادته الخاصة تأتيه بالهلاك أو الخلاص، بالثواب أو العذاب وذلك بالتأكيد المتصلب!
لا تخافوا الآن أن هذه المعرفة تبعدكم عن الخالق وتضعف إيمانكم الحالي، بل بالعكس، من خلال معرفة هذه النواميس الخالدة التي يمكن أن تستفيدوا منها يبدو لكم أن عمل الخليقة حتى أكثر جلالا مما فكرتموها إلى حد الآن، إنه يضطر الذي يتقصيه تقصيا عميقا إلى أن يسجد لربه نظرا لعظمته!
فعندئذ لن يكون الإنسان ذا سوء النية أبدا. بل إنه سيمد يده إلى أفضل سند متوفر له: أي إلى المحبة! محبة كل هذه الخليقة البديعة ومحبة الغير لكي يهتدي هو الأخر إلى روعة هذه المتعة وهذا الوعي بالقوة.