علم الغيبيات الحديث! ما أكثر الفروع والصفات التي تتجمع تحت هذه الراية! فكم منها تتقابل وتتقاتل تحتها! إنه بمثابة مرتع من التماس الحقيقة الرزين وقلة المعرفة والخطط الهامة والإعجاب بالنفس والحماقة، كما يصادف المرء كثيرا ما الصلف الفارغ، وأكثر منه، الروح التجارية العديمة الضمير. وانطلاقا من هذه البلبلة يزدهر في مرات غير قليلة الحسد والحقد غير المحدود الذي ينتهي آخر الأمر إلى أبشع صور حب الانتقام الخبيث.
نظرا لمثل هذه الظروف لا عجب أن الكثير من الناس يتحاشون عن كل هذه النشاطات المجنونة وذلك بنوع من الوجل كأنهم قد يتسممون في حالة مسهم بها. وبذلك لا يكونون على خطأ إطلاقا إذ أن عددا لا يحصى من أتباع علم الغيبيات لا يبدون في سلوكهم أي شيء قد يجعل المرء يثق فيهم وإنما كل تصرفاتهم تنبه جميع الناس الآخرين إلى أقصى درجة الاحتراس منهم.
ومن الغريب أن كل المجال أي ما يسمى بعلم الغيبيات الذي يخلط الناس الأشراء القصد والجهلة بينه وبين علم الأشباح يعتبر إلى حد الآن نوعا ما منطقة حرة يجوز لكل إنسان أن يعيث فسادا فيها دون أن يجابه أي عائق أو تأديب أو عقاب.
إنه يعتبر منطقة حرّة غير أن الخبرات قد أثبتت عدة مرات عدم صحة هذا الافتراض.
إن عددا لا يحصى من الرواد في هذا المجال الذين كانوا من الهوج بمكان حيث اجترأوا على خطو بعض الخطوات باحثين على أساس علم وهمي فقط، إنهم وقعوا ضحية إهمالهم. ومن المحزن جدا أن كل هؤلاء وقعوا ضحية دون أن استفادت البشرية من «استشهادهم» على الإطلاق.
وكان من المفروض أن كل حالة من هذه الحالات على حدة تدل على أن الطريق الذي صاروا يسلكونه ليس هو سواء السبيل لأنه لا يأتي إلا بأضرار أو حتى بالهلاك لا بالبركة. ولكن بنوع من المثابرة الخاصة بهم يظلون متمسكين بسيرهم الخاطئ وهم يستمرون يضحون بإنسان بعد الآخر. إن كل ذرة يكتشفونها ويدركونها جديدة مع أنها بديهية في الخليقة العظيمة تثير صخبا عاليا في صفوفهم فتصدر على إثره مقالات ونشرات لا تحصى لا بد أن تردع الكثير من الناس الباحثين عن الحقيقة جديا حيث يحسون إحساسا قويا بأنهم يتلمسون طريقهم إلى ما لا علم لهم به.
ويحسن بنا أن نصف كل ما جرى إلى حد الآن في هذا المجال من بحث بمداعبة خطيرة ذات الدوافع الحسنة القصد.
إن مجال علم الغيبيات الذي يعتبر منطقة حرة لا يمكن دخوله بلا عواقب وخيمة لاحقة ما لم يضطلعوا أولا بالنواميس الروحية بمداها الشامل. إن كل اعتراض لها أي «عدم مراعاتها» التي هي مترادفة لانتهاكها سواء عن وعي أو عن غير وعي سيعتري تفاعله الحتمي الإنسان الجريء أو العابث أو الأهوج الذي لا ينتبه إليها أو لا يستطيع أن ينتبه إليها بدقة.
ويشابه شأن العزيمة على استكشاف ما هو غير الدنيوي بوسائل وإمكانيات دنيوية شأن الطفل غير المتطور بعد الذي وضع وحده في الدغل الذي لا أمل في شق الطريق فيه إلا لإنسان محترس جدا ومجهز بكل ما يلزمه من عدة وقوة بدنية.
وكذلك الحال في علماء غيبيات عصرنا بأسلوب عملهم الحالي حتى ولو يظنون ظنا جديا أنهم لا يجترئون على القيام بأشياء كثيرة إلا طلبا للعلم حتى يأخذوا بأيدي البشر لأجل تمكينهم من تجاوز حد ينتظرون أمامه وهم يطرقونه منذ أمد بعيد.
ويقف هؤلاء البحاثين أمامه مثل الأولاد حائرين ومتلمسين وغير ملمين بالأخطار التي قد تجرفهم في كل لحظة أو تتدفق بواسطتها على أناس آخرين إذا ما فتحوا بمحاولتهم المتلمسة ثغرة أو بابا في السد الطبيعي بينما كان من الأفضل للكثير من الناس أن يظل مغلقا عليهم.
وما كان لنا إلا أن نؤول هذه التصرفات بأنها هوجاء لا جريئة ما لم يتقن كل هؤلاء البحاثين التغلب الفوري على كل الأخطار الممكنة سواء لأنفسهم أو لأشخاص آخرين.
أمّا الأعمال اللامسؤولة بالدرجة الأولى فيقوم بها أولئك «البحاثون» الذين يقفون على تجارب. وقد سبق لي أن أشرت عدة مرات إلى جريمة التنويم المغناطيسي.*
أما البحاثون الآخرون القائمون بتجارب فيقعون للأسف في خطأ أنهم ينومون – وهم جهلة تماما وإلا لما قاموا به – ينومون أناسا آخرين مرهفي الحس أو ذوي كفاءة الوسيط تنويما مغناطيسيا كي يقربوهم إلى تأثيرات «الآخرة» غير المرئية بالجسم الكثيف المادة على أمل أنه يتسنى لهم بذلك سماع ورصد مختلف ما يستحيل على الأشخاص الذين تجرى عليهم التجارب سماعه أو رصده وهم عن وعي.
ففي خمس وتسعين من مئة حالة يعرضون بذلك أولئك الناس لأخطار بالغة يتعذر عليهم بعد أن يواجهوها إذ أن كل نوع من المؤازرة الاصطناعية من أجل توسيع نطاق النفاذ عبارة عن تقييد النفس التي تقحم على هذا النحو في حالة مفرطة من رهافة حسها تتجاوز تطورها الطبيعي.
ونتيجة لذلك تقف مثل هذه النفس التي ذهبت ضحية هذه التجارب على أرض تعدم فيها الحماية الطبيعية مما يرجع إلى المؤازرة الاصطناعية أو إنها أصلا ليست صاحبة هذه الحماية الطبيعية التي لا تتأتى إلا عن طريق التطور السليم الداخلي الذاتي.
وعلينا أن نتصور مثل هذا الإنسان المسكين وكأنه يقف عاريا ومربوطا إلى خازوق طعما في وسط أرض خطيرة حتى يسترعي النشاط والحياة المجهولة إلى حد الآن بل يتأثر بهما كي يبلغ عما شهده هناك أو كي تظهر لغيره من الناس أيضا مختلف الانعكاسات عن طريق تعاونه وتسليمه موادا معينة من جسمه.
ويستطيع مثل هذا الشخص الذي تجرى عليه التجربة من خلال الصلة التي يجب على نفسه المدفوعة إلى تلك الأرض المجهولة أن تحتفظ بها يستطيع مؤقتا أن يبلغ الجمهور كل ما يجري حوله كأنه على الهاتف.
ولكن في حالة شن هجمة على هذا الخفير المدفوع إلى الأمام اصطناعيا ليس في مقدوره أن يقاومها نظرا لافتقاره إلى الحماية الطبيعية. إنه لضائع ولا عون له لأنه دفع اصطناعيا إلى بلد لم يطور نفسه له بعد أو لا يصلح له على الإطلاق. أما ذلك البحاث المزعوم الذي دفعه إليه طلبا للعلم فلا يسعه على السواء أن يغيثه لأنه يفتقر إلى الخبرة بالنسبة لمصدر الأخطار حيث يستحيل عليه التعامل معه نحو حماية الأشخاص الذين تجرى عليهم التجارب.
وهكذا يتحول البحاثون عن غير قصد إلى مجرمين دون أن يمكن للعدالة الدنيوية أن تحاسبهم عليه الأمر الذي لا يمنع النواميس الروحية بكامل حدتها من استتباع ردود فعل بحيث تقيد البحاث المختص بضحيته.
ومني رب شخص جريت عليه تجارب بهجمات قادمة من المادة الأثيرية حيث انعكست مع مرور الزمن أو كثيرا ما حتى سريعا أو مباشرة على الجسم الكثيف المادة بحيث استتبعت الداء الدنيوي أو الموت مما لم يصلح من الناحية الأخرى الأضرار التي الحقت بنفس الشخص المعني بعد.
أما المراقبون الذين يطلقون على أنفسهم اسم البحاثين دافعين ضحاياهم إلى تلك الأراضي المجهولة فيقفون غالبا ما أثناء مثل هذه التجارب الخطيرة في المأمن الدنيوي لجسمهم ووعيهم.
وإنه من النادر أنهم يشاركون الأشخاص الذين تجرى عليهم التجارب الأخطار التي يتعرضون لها أي أن هذه الأخطار لا تنتقل إليهم. ولكن عند وفاتهم، أي انتقالهم إلى عالم المادة الأثيرية، حتم عليهم أن يأووا بأي حال من الأحوال، نتيجة لتقيدهم بضحاياهم، إلى المكان الذي ربما اندفعت هذه الضحايا إليه حتى يصعدوا معها من هناك رويدا رويدا من جديد.
إن الإخراج الاصطناعي لنفس من النفوس إلى حيز آخر لا يقصد به بالضرورة أن النفس المعنية تخرج من الجسم طائرة إلى منطقة أخرى. ففي أغلب الحالات تبقى في الجسم هادئة. أما التنويم المغناطيسي فتحيل النفس إلى حالة من رهافة الإحساس غير الطبيعية بحيث تستجيب لتيارات وتأثيرات رقيقة جدا في حين ليس في استطاعتها أن تستجيب لهذا القدر من الرقة وهي تكون على حالتها الطبيعية.
ومن البديهي أنها تعدم في هذه الحالة غير الطبيعية كامل قوتها التي لتوفرت لديها لو تطورت في داخلها بقدر يسمح لها بالوقوف المستقر المأمون على هذه الأرض الجديدة المتميزة بالمزيد من الرقة فلو تطورت في داخلها هذا التطور لتمكنت إذن من مواجهة كل التأثيرات بنفس درجة القوة.
ولكن افتقارا إلى هذه الدرجة السليمة من كامل قوتها تحدث هذه الحالة الاصطناعية نوعا من التباين الذي يستتبع حتما بعض الخلال والاضطرابات مما يستتبع بدورها التعكير الحتمي لكل المشاعير الأمر الذي يحدث تصحيف الواقع.
ولا تعزو القصص المشوهة والأضاليل اللاتحصى سوى إلى البحاثين بعينهم وهم يقدمون تأييدا ضارا. ومن ثم حصل أن الكثير من الأمور التابعة للمجال الغيبي والتي «قد تم استكشافها» لا يتوافق رب شيء منها مع المنطق السديد. فإنها تتضمن أضاليل لا تحصى لم يسع أي إنسان أن يدركها بحد ذاتها بعد.
أما هذه الطرق التي هي عبارة ظاهرة عن الضلال فلا تؤدي إلى أي شيء قد يعود على البشرية بالنفع أو البركة.
وفي الحقيقة لا يمكن أن ينفع البشرية إلا ما يساعدها على صعودها إلى الأعلى أو على الأقل ما يرشدها إليه. غير أن كل ذلك لمحال من البداية إلى النهاية بواسطة هذه التجارب!
ولكن على الرغم من ذلك يستطيع بحاث من البحاثين أحيانا من خلال هذه المساعدة الاصطناعية أن يخرج أي إنسان رقيق الشعور أو متميز بصفة الوسيط من جسده إلى أقرب حيز لعالم المادة الأثيرية بيد أنه لا يصل قيد أنملة إلى نقطة أعلى من الحيز الذي ينتمي إليه وفقا لدرجة نضوجه الداخلي، وبالعكس، عن طريق هذه المساعدة الاصطناعية لا يستطيع ذلك البحاث أن يوصله حتى إلى تلك النقطة بل إلى أقرب محيط لكل ما يكون من نوع دنيوي فقط.
أما هذا المحيط فلا يمكن إلا أن يضم كل ما يكون من نوع الآخرة الذي ما زال مقيدا بالأرض بالقرب منها والذي يظل مقيدا بها بسبب نقصه وفجوره وشهواته.
ومن الطبيعي أن ما يكون أكثر تقدما قد يقيم مؤقتا في هذا المحيط بين حين وآخر غير أنه ليس مرتقبا في كل الحالات. وانسجاما مع النواميس الطبيعية من المستبعد بل المستحيل أن يوجد هناك ما يكون من نوع سام. ومن الأرجح أن ينقلب العالم رأسا على عقب قبل ذلك أو … من المفروض أن يؤتى إنسان ما قاعدة من أجل تأصيل النور!
إلا أنه ليس من المنتظر أن أي شخص تجرى عليه تجربة من التجارب أو أحد هؤلاء البحاثين المتلمسين أنعم عليهم بمثل هذه الرسالة بحيث يظل الخطر وعدم جدوى كل هذه التجارب قائمين.
كما من المؤكد أن ما يكون فعلا من نوع أسمى لا يمكن أن يقترب من أي وسيط بدون وجود إنسان أكثر تقدما روحيا حيث يطهر وجوده كل ما يكون من نوع أكثف، ناهيك عن إدلاء هذا السامي برأيه عن طريق مثل هذا الوسيط. أما موضوع التجسم من الدوائر العليا فيكون مستحيلا من أوله خصوصا لدى هذه المداعبات العابثة المتعلقة بطرق وتحريك أشياء إذ رغم وجود وسيط من الوسطاء تكون الهوة بينهم وبين السامي شاسعة لدرجة أنه لا يمكن اجتيازها في سهولة ويسر.
ولا يمكن أن يقوم بكل هذه الأشياء إلا مثل هذه الأرواح المقيمة في الآخرة التي ما زالت ترتبط بالمادة ارتباطا وثيقا. لو كان من الممكن أن يتصل الذي يكون من نوع سام بهذه السهولة بالبشرية لما كان من الضروري أن يتجسد المسيح وإنما لأدى رسالته دون أن يتحمل هذه التضحية.** أما بشر عصرنا فمن المؤكد أن حالهم الروحية ليست أكثر تقدما منها في عهد يسوع بحيث يستبعد أن يكون إجراء اتصال مع النور أكثر يسرا منه في العهد آنذاك.
على أن علماء الغيبيات يقولون أنهم يرمون إلى غرض إثبات وجود حياة في الآخرة وخاصة البقاء بعد الوفاة الدنيوية، ففي آرائهم يحوجون إلى مدافع ثقيلة، أي دلائل ملموسة دنيويا، نظرا للريب السائدة بغية فتح ثغرة في خط دفاع الأخصام.
بيد أن هذا التعليل لا يغفر لهم أنهم يخاطرون باستمرار بأرواح بشرية على مثل هذا النحو الطائش!
وعلاوة على ذلك ليس من الضروري حتما أن يقنع أخصام أشراء القصد إذ أن من المعروف أنهم لن يؤمنوا وإن نزل ملك رأسا من السماء كي يبشرهم بالحقيقة! فبعد انصرافه سيدعون بأن كل ما أبصروا وسمعوا كان بمثابة هلوسة جماهيرية لا ملكا أو إنهم سيدلون بحجة أخرى. ولو أحضر شيء ما أو شخص ما لن ينصرفا أو يغيبا فيما بعد بل سيبقيا في الدنيا لأدلوا من جديد بحجج أخرى لأنهما هذه المرّة، في رأي منكري الآخرة، دنيويان فقط.
كما لن يترددوا في أن يصفوا مثل هذا الدليل بدجل ومثل هذا الإنسان بحالم أو متعصب أو حتى دجال. إنهم سيكونون على الدوام ذوي الانتقاد والريب سواء أكان الأمر دنيويا أو غير دنيوي أو كليهما. وإذا لم يعودوا يجدوا تبريرا آخر يبادرون إلى تشويه السمعة أو إلى اعتداءات على نطاق أوسع وهم لا يترددون في استخدام العنف.
لا يجدر بالبحاثين والوسطاء أن يتحملوا تضحيات بغية إقناع هؤلاء الناس ناهيك عن الكثير من أتباع الغيبيات المزعومين. فهؤلاء يظنون على نحو غريب من الاستطالة أنه يحق لهم، لإيمانهم في وجود حياة في الآخرة مع أن هذا الإيمان في أغلب الحالات غير محدد ولا واقعي، فيظنون أنه يحق لهم أن يطلبوا مطالب معينة من مقيمي الآخرة لكي «يبصروا» أو «يسمعوا» بدورهم بعض الأشياء. فيتوقعون إشارات من هداتهم الموجودين في الآخرة ثوابا لسلوكهم المؤدب.
إنهم فعلا يجعلون من أنفسهم مثار الضحك بتوقعاتهم البديهية التي يحملونها في دخائلهم وبابتسامتهم العليمة الغفارة، في حين لا تعبر إلا عن جهالتهم. أما العزيمة على تسلية هذا الجمع من الناس فبمثابة تجريعهم سما، فبما يظنون أنهم لضليعون بمثل هذه الكثرة من الأشياء لا يعتبرون هذه التجارب إلا ساعات تسلية يجدرون بها حيث يلعب مقيمو الآخرة دور فناني مسرح المنوعات خلالها.
لنصرف نظرنا عن هذه التجارب الكبيرة ولنمعن في التجارب الصغيرة مثل تحريك المائدة. فإنها لا تتميز على الإطلاق بهذا القدر من البراءة التي يفترض لها وإنما تعد أمرا بالغ الخطورة من حيث سهولة ترويجها الهائلة.
وينبغي أن يحذر كل إنسان منها! أما الناس المنورون فلا بد لهم أن ينصرفوا عنها متروعين نظرا للتعامل المستهتر مع هذه الأشياء. فكم من الأتباع مولعون بإظهار «معرفتهم» وهم يحرضون الدوائر التي يترددون عليها على تجارب تحريك المائدة أو يدخلون بالغمغمة الملتبسة الممارسة الهازلة، نوعا ما، بأحرف وكأس أو وسيلة أخرى تنزلق أو تنجذب عند مسها الخفيف باليد إلى مختلف الأحرف بما تتكون كلمات.
وتحول كل ذلك بسرعة هائلة إلى ألعاب حفلات أو مناسبات اجتماعية حيث يمارسونها ضاحكين ومستهزئين وأحيانا مقشعرين بنوع من الارتياح.
وعلى هذا المنوال تجلس يوميا سيدات كبريات سنا كن أو صغريات إلى طاولة صغيرة معا أو وحدهن أمام أحرف مرسومة على كارتون وذلك بشكل محدد قدر الإمكان كي لا يعوزهن صفة الغموض المثيرة لخيالهن، في حين لا حاجة لهن منها لأجل تحقيق المراد إذا مال الشخص المعني إلى هذه النشاطات على نحو ما، خصوصا وأن الأعداد من هؤلاء الناس المائلين إليها لا تحصى!
أما كل من علماء الغيبيات في عصرنا وزعماء الجمعيات الغيبية فيسرون بكل ذلك لأن كلمات وجملا حقيقية تتكون خلال هذه الجلسات فيه لم يفكر الممارس فيها لا عن وعي ولا عن غير وعي. وهكذا يقتنع به حتما بما يزداد عدد أتباع «الغيبيات».
وتشير إليها منشورات مذاهب غيبية ويدافع عنها بعض الخطباء كما يتم صنع وبيع مختلف الوسائل الميسرة لممارسة كل هذا الجنون. وعلى هذا النحو يمثل كل العالم الغيبي تقريبا نصيرا كفءا للظلمة مع أنهم على يقين صادق من أنهم يعبدون النور بذلك.
إن مجرد كل هذه الوقائع تثبت الجهالة التامة الكامنة في المساعي الغيبية من هذا النوع. إنها تدل على أن لا أحد منهم لبصير حقيقيا! وإذا ما تطور بين حين وآخر وسيط كفء من هذه الخطوات الأولى أو بالتحديد والأدق إذا ما تردد عليهم في البداية مؤقتا وسيط كفء فلا يعتبر ذلك دليلا عكسيا.
أما هذه القلة القليلة من الناس الذين اصتفيوا من أول الأمر لهذه المهمة فيتمتعون في ضمن تطورهم الطبيعي الذاتي بنوع آخر من الحماية المحافظة على كل الدرجات المتعاقبة في حين أن غيرهم من الناس لا يتمتعون به. ولا تكون هذه الحماية فعالة إلا بشرط التطور الطبيعي الذاتي الخالي من أية صورة من صور المساعدة الاصطناعية لأن في كل ما هو طبيعي فقط يكمن الحماية بديهيا.
وحالما تأتي أية مساعدة ولو على مستوى بسيط جدا، سواء عن طريق التدريب الذاتي أو التنويم المغناطيسي من قبل إنسان آخر، يصبح الأمر غير طبيعي بما لا يلائم النواميس الطبيعية تماما التي تمنح هي وحدها الحماية اللازمة للإنسان. وإذا ما اصطحبت هذا النوع من السلوك الجهالة السائدة حاليا في كل صوب وحدب تتحول الحالة إلى نوع من الطامة المهلكة. أما الإرادة وحدها فلن تفلح أبدا في حل محل القدرة عندما يتعلق الأمر بترجمتها إلى أفعال. ولكن لا يتجاوز أحد قدرته.
ونظرا لمئات الألوف من الناس الذين يهتمون بهذه المداعبات الخطيرة فإنه ليس من المستبعد بطبيعة الحال أن بعض الناس المنفردين لا يصيبهم أذى فيما يتمتعون بدرجة من الحماية الكافية. كما أذي الكثير من الناس بقدر ما لا يظهر دنيويا بعد بحيث لا يدركون مدى أعمالهم الحمقاء إلا فجأة بعد انتقالهم إلى الآخرة. كما ثمة جزء آخر من الناس الكثيرين الذين أذوا أذى ظاهرا دنيويا مع أنهم لا يدركون السبب الحقيقي له خلال حياتهم الأرضية.
ولذا لا محيد عن شرح ما يجري روحيا وماديا أثيريا خلال هذه المداعبات. إنه لبسيط وليس معقدا على الإطلاق ولكنه أعسر من الناحية الأخرى مما يفكره الكثير من الناس.
في ظل الحالة الراهنة للأرض قد كسبت الظلمة الهيمنة على كل ما يكون من نوع مادي وذلك عن طريق إرادة البشرية. فتقف في المادة على أرض مألوفة خاضعة لها الأمر الذي يمكنها من ممارسة نفوذها في المادة على أوسع نطاق ممكن. إذن، فهي بالمادة في مجالها الطبيعي وتكافح على أرض معروفة عندها. ولهذا السبب تكون الظلمة حاليا في المادة برمتها، أي في المادة الكثيفة، متفوقة على النور.
ونتيجة لذلك تكون الظلمة في المادة أكثر قوة من النور. على أنه من المستحيل أن يدخل النور، أي ما هو من نوع سام، في الحسبان لدى مثل هذه المداعبات مثل تحريك المائدة إلخ. ولنا على أقصى تقدير أن نتحدث عن الشرير أي الظلمة، وعما هو أكثر صلاحا، أي أكثر سطعا.
إذا ما استخدم إنسان ما مائدة أو كأسا أو أي شيء مادي آخر يتجه بذلك إلى أرض صراع مألوفة للظلمة حيث تكون صاحبتها. وبذلك يقر لها من أول الأمر بقوة يقصر عن مواجهتها بحماية مطابقة لها.
لنمعن الآن نظرنا في جلسة مقبلة على تحضير أرواح أو في مجرد مداعبة اجتماعية واحدة ذات علاقة بمائدة ولنتابع الوقائع الروحية أو بالأدق الوقائع المادية الأثيرية الجارية خلالها.
إذا أقبل شخص واحد أو عدة أشخاص إلى مائدة بغرض أن يتصلوا بواستطها ببعض مقيمي الآخرة سواء أيطلب من هؤلاء أن يطرقوا المائدة أو، ما هو متبع أكثر، يحركوها حتى تتكون من هذه الإشارات كلمات فيجتذب في المقام الأول من خلال الرابطة بالمادة ما هو من نوع مظلم الذي يتولى بالتالي الإعلانات.
وبمهارة قصوى يستعمل مقيمو الآخرة كثيرا ما ألفاظا طنانة حراصا على الإجابة عن أفكار البشر بالطريقة المرجوة منهم حيث يسهل عليهم أن يقرأوا ما يدور في خاطرهم غير أنهم يضللونهم كلما تعلق الأمر بمسائل جدية ساعين، في حالة الاستشارات المتكررة، إلى إخضاع هؤلاء الناس لنفوذهم المتزايد وجرهم شيئا فشيئا إلى الأسفل. وبالمكر الداهي يتركون هؤلاء التائهين عن سواء السبيل يعتقدون بأنهم يتطلعون هكذا إلى الأعلى.
إذا ما حصل في البداية أو بأي مناسبة أن يتصل عن طريق المائدة أي قريب أو صديق متوفى بهم الأمر الذي يحصل في حالات كثيرة فإنه حتى من الأسهل على مقيمي الآخرة أن يغروا بالناس المحيطين بالمائدة. فإنهم سيدركون أن الذي يتصل بهم هو في واقع الأمر صديق معين مما يجعلهم يظنون أن ذلك الصديق هو الذي يبلغهم عن شيء من الأشياء كلما أتى أي خبر عن طريق المائدة وأعلن اسم صاحبه أي اسم الصديق أو القريب فيما بعد.
غير أن هذا الافتراض ليس صحيحا! فلا تستعمل الظلمة الراصدة في كل مكان ذلك الاسم بصفة داهية كي تصبغ التضليل بصبغة صادقة وتكسب ثقة السائلين فحسب وإنما الأمر يبلغ من الصفاقة أن أحد المقيمين المظلمين يتدخل في وسط جملة بدأها الصديق الحقيقي بينما يكملها هذا المظلم على نحو خاطئ عن عمد. فحصلت واقعة غير معروفة تقريبا ألا وهي أن شخصين اثنين ساهما في جملة سلسة خالية من الانقطاع، فأولهما الصديق الحقيقي الذي قد يكون نيرا ومن نوع أطهر وثانيهما المظلم والشرير القصد وذلك دون أن يأبه السائل لذلك الأمر.
أما العواقب المترتبة عليه فيتيسر تصورها. فيغتر الإنسان الواثق به ويتهز إيمانه فيه. في حين يستخدم الخصم كل هذه الواقعة لتعزيز استهزائه وشكوكه أو أحيانا حتى لاعتداءات عنيفة على المجال بكامله. ولكن في الحقيقة ليس أحد منهما على صواب مما لا يعزو سوى إلى الجهالة التي لا تزال تخيم على هذا المجال بأسره.
بيد أن هذه الواقعة تجري بكل البساطة الطبيعية: إذا ما وجد صديق حقيقي نير نوعا ما كي يلبي رغبة السائل فيما يتصل به وإذا ما اقتربت روح مظلمة من المائدة فحتم على الروح النيرة، أي التي هي أكثر سطعا، أن تنسحب منها لأن الروح المظلمة تستطيع أن تطور المزيد من القوة من خلال المادة المتوسطة للمائدة حيث أن كل ما يكون من نوع مادي هو حاليا المجال الحقيقي للظلمة.
ويخطئ الإنسان في ذلك الذي يختار المادة مقيما بذلك قاعدة غير متساوية من أول الأمر. أما الكثيف الثقيل، أي المظلم، فهو أكثر قرابة للمادة الكثيفة من حيث كثافته من النير الطاهر، أي ما هو من نوع أخف حيث يطور المظلم المزيد من القوة على أساس ارتباطه الوثيق بالمادة الكثيفة.
ولكن من الناحية الأخرى تكون الروح من نوع أسطع، التي ما برح بوسعها أن تتصل ببشر الدنيا عن طريق المادة، فهذه الروح ما زالت من الكثافة التي تدنو نوعا ما من المادة الكثيفة وإلا لم يعد من الممكن الارتباط بالمادة من أجل أي إعلان. إذ أن درجة معينة من الكثافة هي الشرط المفروض في حد ذاته للاقتراب من المادة الذي يستتبع هو بدوره إمكانية التدنس حالما تمت إقامة الارتباط بالظلمة عن طريق المادة.
وتفاديا لخطر التدنس لا يبقى للروح من نوع أسطع إلا أن تنسحب على عجل من المادة، أي من المائدة أو من أية وسيلة أخرى حالما تمد روح مظلمة يدها إليها وذلك من أجل القضاء على الحلقة المتوسطة التي ستقيم جسرا على الهوة الطبيعية الفاصلة، وبذلك، الحامية.
وفي مثل هذه الحالات لا يمكن في الآخرة تجنب أن الإنسان القائم بتجربة المائدة يتعرض للتأثيرات الدنيا غير أنه بنفسه كان الباعث لها بفضل فعله، إذ في هذه المرّة على السواء لا يستطيع جهالته للنواميس العاملة أن تحميه.
وبهذه الوقائع سينكشف للكثير من الناس رب ما كان متعذر التفسير إلى حد الآن كما ستنحل العديد من التناقضات الغامضة ولعل أناسا كثيرين سيكفون من الآن فصاعدا عن مثل هذه الألعاب الخطيرة!
وعلى نفس النحو التفصيلي يمكننا أن نسرد أخطار كل التجارب الأخرى التي تتميز بكونها أبلغ وأخطر بكثير. ولكن لنقتصر هنا مؤقتا على هذه الأشياء الأكثر اتباعا وانتشارا.
ولا نسرد إلا خطرا واحدا آخر. فمن خلال هذا النوع من الأسئلة والطمع في الأجوبة والنصائح يورط الناس أنفسهم في حالة من عدم الاستقلال والتبعية. وهذا هو عكس ما ترمي الحياة الأرضية إليه.
وليس هذا الطريق من كل النواحي هو سواء السبيل! فإنه يعود على المرء بالضرر فقط، لا بالنفع. إذ أن سلوكه بمثابة الزحف على الأرض حيث يتعرض الإنسان لخطر أن يلتقي باستمرار بهوام مقرفة وأن يبدد قوته وينهار آخر الأمر مضنى على جانب الطريق … و ذلك عبثا بلا جدوى!
كما يلحقون أولئك الذين «يعتزمون على الاستكشاف» أضرارا فادحة بمقيمي الآخرة!
فبذلك يتيح البحاثون للكثير من مقيمي الآخرة المظلمين الفرصة بل إنهم حتى يغرونهم بارتكاب أعمال شريرة بما يثقلون كواهلهم بذنب جديد الأمر الذي لن يكون ممكنا بهذه السهولة بدون تدخل هؤلاء البحاثين. أما جزء آخر من مقيمي الآخرة فيرتعدون من خلال تقييدهم المطرد برغبات بشر الدنيا وأفكارهم عن التطلع إلى الأعلى.
ولدى إمعان النظر في طبيعة هذا النوع من الاستكشاف يتراءى سلوك هؤلاء البحاثين كثيرا ما صبيانيا معاندا وذا أعلى درجة من الأنانية غير المبالية بغيرهم من الناس وفي الوقت نفسه أخرق لدرجة أن المرء يتساءل حتما وهو يهز رأسه كيف يمكن من حيث الأصل أن يعمل بحاث ما على فتح بلد أمام العلانية في حين يجهل هو بنفسه أرضه تماما.
كما يخطئون في أن يبحثوا أمام عيون عامة الناس مفسحين بذلك المجال للمتحمسين المفتقرين إلى الأرضية الواقعية وللنصابين الدجالين بما يتعسر على البشرية أن تكسب الثقة في نشاطاتهم.
ولم يحدث ذلك في أي فرع علمي آخر من قبل. فكافة أنواع البحث التي يعترف اليوم بمنجزاتها كانت تنتابها وهي في مرحلة الاستكشاف شتى صور الفشل غير أن المعنيين بهذه البحوث لم يسمحوا العلانية بأن يشهدوها! فكل هذه التجارب الفاشلة تضني العلانية بحيث لا تعود تهتم بها على الإطلاق بعد فترة وجيزة من الزمن ولكن عند اكتشاف الحقيقة أخيرا لا يولي الناس اهتمامهم لها لأن القوة الرئيسية للتحمس الكاسح قد ضاعت من قبل نتيجة لما سردناه أعلاه. فلا تعود تتمكن البشرية من جمع قواها من أجل إبداء بهجة متهللة تجرف الكل من حيث مفعولها المقنع.
أما النكسات التي يشهدها الكثير من الناس عندما يدركون هذه الطرق الملتوية المضلة فتتحول إلى أسلحة ماضية في أيدي أعداء كثيرين قد يبعثون عدم الثقة في نفوس مئات آلاف الناس لدرجة أن هؤلاء البؤساء سينكرون النظر الجدي في الحقيقة حينما ستظهر فعلا، خوفا من اغترارهم المتجدد! وعليه لا يرهفون آذانهم فتفوتهم آخر فرصة من الزمن للصعود نحو النور.
وبذلك ستكون الظلمة قد حققت انتصارا جديدا! فلتشكر البحاثين الذين مدوا إليها أيديهم حيث يطيب لهم لن يعينوا أنفسهم متعاظمين زعماء علم الغيبيات الحديث.