أضاليل في فكر الإنسان

إن رب إنسان يرفع بصره ملتمسا النور والحقيقة. وعلى الرغم من أن توقانه لشديد إلا أنه يعوزه كثيرا ما جدية إرادته! فما يزيد على نصف جميع ملتمسي الحقيقة لا يستحق هذه التسمية إذ أنهم يحملون معهم آراءهم المنتهية الصياغة. إذا ما طلب منهم أن ينحرفوا عنها ولو بصورة تافهة جدا يفضلون رفض كل ما هو جديد لهم حتى ولو انطوى على الحقيقة.

وبحكم وجهة النظر هذه كتب على آلاف الناس أن تهووا لأنهم قمعوا حرية حركتهم من جراء الاشتباك في قناعة خاطئة مع أنهم يحتاجون إليها من أجل التخلص عن طريق التحرك الدافع إلى الأعلى.

إننا نصادف دائما جزءا من الناس الذين يرون أنهم قد أدركوا كل ما هو صواب. فليس في نيتهم أن يمتحنوا أنفسهم امتحانا صارما مبنيا على ما سمعوه وقرأوه.

ومن البديهي أن لا أخاطب هذه الفئة من الناس!

ولا أخاطب الكنائس أو الأحزاب ولا الجمعيات والمذاهب المختلفة دينية كانت أم غير دينية وإنّما أخاطب بكل البساطة الإنسان بنفسه. هيهات أن أسقط ما هو موجود إذ أكمل بصورة بناءة تلك القضايا والمسائل التي كانت معلقة إلى حد الآن والتي حتم على كل إنسان أن تحملها في نفسه حالما ينغمس شيئا يسيرا في التفكير.

ولا يفرض على كل مستمع إلا شرط أساسي واحد: ألا وهو البحث الجدي عن الحقيقة. فليفحص في داخله الكلمات وليجعلها حية ولا ينتبه إلى من جاء بها. وإلا لن تنفعه أي نفع. أما جميع الذين لا يسعون إلى ذلك فيضيعون وقتهم سدى من أول الأمر.

إنه شيء لا يصدق كم يعتزم أغلب البشر ساذجا ومتشنجا على أن يظل جاهلا نظرا لقضايا من أين جاء الإنسان وما هو نوعه وإلى أين يكون مصيره!

أما الولادة والوفاة، القطبان اللذان لا يتجزأن عن كون الإنسان في الأرض فمن المفروض ألا يكونان سرا للإنسان.

إن المواقف التي تحاول توضيح ما هو طبيعة جوهر الإنسان لمتفاوتة ومتناقضة نتيجة لجنون العظمة المرضى الذين يتسم به مواطنو الأرض الذين يتباهون متجاسرين بأن جوهرهم يكون إلهيا!

أنظروا إلى البشر! هل تلاحظون عليهم أية صفة إلهية؟ لو ادعى إنسان من الناس أو جماعة من الجماعات هذا الادعاء الأبله لما تمالكنا أن نسمه بأنه تجديف على الله لأنه يدل على الحط من قدر الألوهية.

إن الإنسان لا يحمل حتى ذرة من الألوهية في نفسه!

فلا يمثل هذا الموقف إلا تكبرا مرضيا يعزو محضا إلى الشعور بعدم القدرة على الفهم الصحيح. أين الإنسان الذي يمكن أن يقول بنية صادقة إن مثل هذا الإيمان في صفات الإنسان الإلهية تحول كذلك إلى الاقتناع؟ من فحص نفسه بجدية لا يتمالك عن إنكار ذلك بل إنه يحس إحساسا دقيقا بأن هذا الإيمان لا يمثل سوى التوقان إلى أن يحمل الإنسان صفات إلهية في نفسه في حين لا يشير إلى اليقين به! وفي هذا الصدد ينوه الناس صوابا بشرارة من الله يحملها الإنسان في نفسه. على أن هذه الشرارة من الله عبارة عن الروح بينما هي ليست عبارة عن جزء من الألوهية!

أما عبارة الشرارة فهي تسمية صحيحة تماما إذ أن الشرارة تتطور وتتطاير دون أن تحمل معها أو في نفسها من نوع مولدها. كذلك الشأن هنا، إذ أن شرارة من الله ليست إلهية بذاتها.

حيثما لقينا مثل هذه الأضاليل حتى من الأول بالنظر إلى أصل الكون سيلحق بها حتما الفشل في الصيرورة والتطور بأكملهما! إذا بنيت العمارة على أرضية خادعة لا محيد عن تقلقل كل البناء وانهياره في يوم من الأيام.

إن الأصل يوفر لكون وتطور كل ما يكون السند الذي يتكئ عليه! من ابتغى، كالمعتاد، تخطي هذا الأصل إلى ما هو بعيد عنه يمد يده إلى ما لا يمكن له إدراكه بما يصبح على وجه طبيعي تماما بلا أي سند.

إذا مددت، على سبيل المثال، يدي إلى فرع في شجرة ما لها تجانس مع جسدي الأرضي بحكم نوعها الدنيوي يتيسر أن أتكئ على هذا الفرع باعتباره سندا لي بما أتمكن من تسلق الشجرة.

ولكن إذا تخطيت هذا الفرع يستحيل علي أن أستند على الهواء الذي هو من نوع مختلف … وبذلك أن أتقدم إلى الأعلى! ومن المؤكد أن هذا المثال واضح وضوح الشمس.

وكذلك الحال في طبيعة الإنسان الداخلية التي تسمى بالنفس، أما نواتها فتسمى بالروح.

إذا قصدت هذه الروح أن يتوفر لها السند الضروري الذي يقدم لها أصلها والذي تحتاج إليه لا يسمح لها على وجه بديهي أن تمد يدها إلى الحيز الإلهي الأمر الذي سيتطور بصورة غير طبيعية. إذ أن الحيز الإلهي يوجد فوق أصل روح البشرية ببعد يعلو عن قدرة إدراك الإنسان كما يكون الحيز الإلهي من نوع مختلف تماما!

وعلى الرغم من ذلك إلا أنها تلتمس في خيالها الاحتكاك مع هذا الحيز الذي لا يمكن الوصول إليه أبدا بما يقطع سير الأمور الطبيعي. إن توقها الخاطئ بمثابة حاجز يحول بينها وبين إمدادها الضروري بالقوة المنبعثة من أصلها. فبذلك تقطع نفسها عنه.

وعليه ابتعدوا عن مثل هذه الأضاليل! فليس بوسع الروح البشرية أن يطور كامل قوتها التي ما برحت تغفلها لحد اليوم إلا بعد إدراك وإصلاح ما أخطأت فيه بهذا الخصوص فيتحول إلى ما يمكن لها وينبغي عليها أن تكون: أي سيدة في الخليقة! انتبهوا إلى هذه القولة بأنها سيدة في الخليقة وليس فوقها.

ولا يعلو عن كل ما خلق إلا الألوهية. –

إن الله بنفسه، أصل كل الكون والحياة، هو، كما تشير إليه الكلمة، صاحب الألوهية! أما الإنسان فخلقته روح الله!

إن الروح هي مشيئة الله، ومن هذه المشيئة نشأت الخليقة الأولى. دعونا نأخذ بهذه الواقعة البسيطة إذ أنها توفر لنا إمكانية الفهم على نطاق أوسع.

ولنتصور بالقياس إليها مشيئة الإنسان. إنها بمثابة عمل ولكنها ليست جزء من الإنسان وإلا لذاب الإنسان مع مرور الزمن في أعمال مشيئته الكثيرة ولما تبقى شيء منه.

وكذلك الحال في الله! إذ خلقت مشيئته الجنة! غير أن مشيئته هي الروح التي تسمى «الروح القدس». ولا تكون الجنة من الناحية الأخرى إلا عمل الروح وليس جزء منه. وفي ذلك يتمثل تدريج نحو ما هو أدنى. أما الروح القدس الخلاق، أي مشيئة الله الحية، فلم تذب في خليقته، ولا يعط ولا يترك جزءا واحدا من نفسه فيها وإنما بقي خارج الخليقة تماما. لقد عبر العهد القديم عن ذلك بوضوح وجلاء قائلا: «وروح الله يرف على وجه المياه»، وليس الله بذاته! مما هما أمران متفاوتان. إذن لا يحمل الإنسان شيئا من الروح القدس بعينه في نفسه وإنما من الروح فقط التي هي عمل من أعمال الروح القدس.

وبدل أن ينظر الناس في هذه الواقعة يتطلعون بكل القوة إلى تشكيل ثغرة! ويكفيكم أن تواجهوا الرأي المعروف في الخليقة الأولى، أي الجنة! إذ كان لا بد، في رأي البشر، من وجودها هنا في هذه الأرض. وبذلك كبس العقل الإنساني المحدود الأحداث الجارية خلال ملايين السنين الضرورية في نطاقه الضيق المقيد بالزمان والمكان متصورا أنه نفسه مركز ومحور سير كل الحوادث في العالمين. ونتيجة لذلك ضل الإنسان على الفور عن السبيل المؤدي إلى منطلق الحياة الحقيقي.

وعوضا عن هذا السبيل البين الذي لم يعد يستطع أن يتحكم فيه ببصره كان لا بد من إلغاء نوع من الاستعاضة فيما يتعلق بنظرة إلى الشؤون الدينية إذا لم يكن في نيته أن يصف نفسه بالمصدر الخلاق لكل الكون والحياة بمعنى تأله نفسه. فكان أن يقدم له هذه الاستعاضة عن الفهم الصحيح عبارة «الإيمان»! ومنذ ذلك الحين تعاني البشرية جمعاء من كلمة «الإيمان» حيث أصيبت بها! بل، زيادة على ذلك، تحولت هذه العبارة التي أساءت البشرية فهمها والتي توقعت منها الاستعاضة عن كل ما ضاع عليها من معرفة تحولت إلى الجرف لها الذي تحطمت عليه كل محاولاتها تحطما تاما!

ولا يرتضي كلمة الإيمان إلا من يتسم بالخمول. كما تتيح عبارة الإيمان للمستهزئين فرصة السخر والتهكم. إنها هذه الكلمة، الإيمان، على شكل تأويلها الخاطئ، التي تحول عائقة بين البشرية وبين مضيها قدما.

ولا يقصد بكلمة الإيمان العباءة التي تستر كل ظواهر خمول التفكير بسماحة والتي تحيط مشلة بروح الإنسان مثل مرض النوم! وفي الحقيقة يقصد أن يتحول الإيمان إلى الاقتناع. غير أن الاقتناع يقتضي الحياة وأدق عملية من البحث!

حيثما تبقت ثغرة وغامضة واحدة يستحيل كسب الاقتناع. ولذلك يتعذر على الإنسان، أي من كان، أن ينال الإيمان الحقيقي طالما يحمل مسألة معلقة واحدة في نفسه.

لننظر إلى عبارة «الإيمان الأعمى» التي تجعلنا ندرك كل ما هو غير سليم في هذا الخصوص!

من الضروري أن يكون الإيمان حيا، على ما كان المسيح يطالب به آنذاك، وإلا لا فائدة له. على أن ما هو حي يعني التحرك والوزن وكذلك عملية من البحث. في حين لا يعني القبول البليد لأفكار ناشئة عن أناس آخرين. إن عبارة الإيمان الأعمى يدل بمعنى الكلمة على الإيمان بلا تبصر، ولكن ما لا يتبصر الإنسان فيه، أي ما لا يفهمه، لا يمكن أن ينفعه روحيا أيضا إذ يستحيل على الإنسان أن يجعل في نفسه حيا ما لا يفهمه.

ولكن ما لا يعيشه في نفسه تماما لن يصبح جزءا منه أبدا! في حين لا يفضي به إلى الأعلى إلا ما أصبح جزءا منه.

هل باستطاعة أحد أن يسير ويتقدم في طريق إذا انفتحت فيه شقوق فسيحة؟ كلا، وكذلك الحال في المجال الروحي، إذ حتم على الإنسان أن يتوقف عن السير الروحي حيثما أعوزه العلم الضروري للتقدم. إن ذلك واقع لا محالة كما أحسب أنه مفهوم في سهولة ويسر. إذن ليستيقظ من أراد أن يتقدم روحيا!

إذ ليس بإمكانه أبدا أن يذهب نحو نور الحقيقة وهو نائم أو محجوب العينين!

إن الخالق يريد من عباده أن يكونوا بصراء في الخليقة. ولكن عبارة أن يكونوا بصراء تعني أن يكونوا عارفين! أما المعرفة فلا يتواءم الإيمان الأعمى معها. إذ لا يكمن فيه إلا الخمول والكسل الذهني، في حين أنه ليس دليلا على العظمة.

إن ميزة قدرة التفكير تلزم الإنسان بفحص كل الأمور!

ولكن تفاديا لكل ذلك تجاسر الإنسان سعيا وراء راحة باله على تصغير الخالق الجليل لدرجة أنه ينسب له أعمال تحكمية دليلا على القدرة الإلهية.

ولكن لا مناص لكل من أجهد فكره إجهادا يسيرا من أن يعثر في هذه الحالة أيضا على خطأ كبير فيما يخص هذا الشأن. إذ يستدعي العمل التحكمي إمكانية انحراف نواميس طبيعية موجودة. ولكن حيثما كان في حيز الإمكان أن يجري ذلك يخلو الأمر من الكمال إذ أن التغيير لمستحيل حيث الكمال. فيتضح أن جزءا كبيرا من البشرية ينعت القدرة الإلهية خطأ على وجه يدل كل من يفكر تفكيرا أعمق على عدم كمال الله. وفي ذلك يكمن جذر شرور كثيرة.

شرفوا الله باحترامكم كماله! فستجدون فيه المفتاح لحل غوامض كل الكون. –

إنني لأسعى إلى إرشاد كل من يبحث عن الحقيقة بحثا جديا إلى هذا العرفان. فليسر تنفس الصعداء في صفوف كل ملتمسي الحقيقة. وآخر الأمر سيدركون مبتهجين أنه لا غامضة ولا ثغرة في كل سير العالمين. ثم … سيواجهون الطريق المؤدي إلى الصعود مواجهة جلية. فلا يتعين عليهم إلا أن يسلكوه. –

أما التصوف فليس له في الخليقة بأسرها أي حق في الوجود! لا مكان له فيها إذ من المفروض أن تنبسط كل الأمور أمام الروح البشرية بجلاء وبلا أية ثغرة إلى حد ما يرجع إلى أصلها. أما ما يوجد فوق هذا الأصل فسيبقى حتما أكثر الأسرار قداسة لكل روح بشرية. وعليه فلن تدرك النوع الإلهي أبدا وإن تميزت بأقوى إرادة وأعظم معرفة. ولكن وراء عدم قدرة الإنسان هذه على إدراك كل ما ينتمي إلى الحيز الإلهي يختفي أكثر الأشياء طبيعة إذ من المعروف أن لا شيء لقادر على تجاوز تشكيلة أصله الأمر الذي ينطبق كذلك على روح الإنسان! إذ يقيم تفاوت التشكيلة على الدوام حدودا طبيعية. فالإلهي يختلف في نوعه اختلافا تاما عن النوع الروحي الذي يصدر الإنسان عنه.*

إن الحيوان مثلا لا يسعه أبدا أن يتحول إلى إنسان حتى ولو توصل إلى أعلى درجة من تطور نفسه. من المستحيل في أي حال من الأحوال أن يزدهر من النوع الجوهري النوع الروحي الذي يتمخض عن الروح البشرية. إذ يعوز تشكيلة كل ما هو من نوع جوهري أساس النوع الروحي. أما الإنسان الصادر عن قسم الخليقة الروحية فلا يسعه أبدا أن يغدو إلهيا لأن النوع الروحي يعوزه النوع الذي يتميز به كل ما هو إلهي. لعل الروح البشرية تتمكن من التطور إلى أعلى درجة من الكمال إلا أنه من المحتوم أن تبقى روحية على وجه الدوام. إنها تعجز عن الوصول إلى الحيز الإلهي الموجود فوقها. فعلى نحو طبيعي يقيم اختلاف النوعين في هذه الحالة على السواء الحدود التي لا يمكن اجتيازها نحو الأعلى. أما المادة فليس لها أي دور في ذلك لأنها لا تنطوي على حياة ذاتية. إنها تخدم بصفتها غلاف حيث يدفعها ويشكلها النوعان الروحي والجوهري.

ويمتد حيز الروح العظيم يمتد إلى الخليقة بأسرها. وعليه، كان لزاما على الإنسان أن يدركها تماما! فبناء على معرفته سيحكم فيها. بيد أن تولي الحكم، وإن ظهر بأكثر صورة صرامة، لا يعني، انطلاقا من الفهم الصحيح، إلا الخدمة! –

ولا يتم في أي موقع من مواقع كل الخليقة إلى حد أعلى مستوى من الحيز الروحي لا يتم الانحراف عن السير الطبيعي! إن مجرد هذا الظرف ليقرب بالتأكيد الكثير من الأمور إلى كل إنسان. أما الخشية الكامنة وغير السليمة والعزيمة على الاختباء من بضع أشياء مجهولة إلى حد الآن فستتهاويان في نفسها تلقائيا. ومع دخول السلوك الطبيعي يسري نسيم من الهواء إلى بيئة الأخيلة المظلمة التي ينسجها أولئك الناس الذين يروق لهم أن يصبحوا أحدوثة. إن أشكالهم المرضية الوهمية التي تذعر الضعفاء وتصير مثار السخرية عند الأقوياء تتبدى مضحكة وسخيفة نظرا لتفاهتها الصبيانية أمام العين البصيرة التي ستحيط آخر الأمر هاشة باشة بروعة السير الطبيعي الكامن في كل الحوادث التي تتحرك على الدوام في خطوط بسيطة مستقيمة يمكن إدراكها بوضوح.

إن السير في الخليقة يكون موحدا في أصرم انتظام ونسق الأمر الذي يسهل لكل ملتمس الحقيقة النظرة الشاملة والحرة إلى حد نقطة أصله الحقيقي!

وتحقيقا لذلك لا يحوج إلى البحث الشاق ولا إلى استخدام خياله. المهم هو أنه يبتعد عن كل الذين يحاولون بوقفة من السرية المبهمة أن يعظموا معرفة جزئية واهية.

إن كل الأمور في الخليقة تنبسط أمام الناس بسيطة لدرجة أنهم كثيرا ما يقصرون عن نيل العرفان بسبب هذه البساطة بالذات لأنهم يفترضون بادئ ذي بدئ أن عمل الخليقة العظيم يكون بالضرورة أكثر صعوبة وتعقيدا.

إن هذا الفهم الخاطئ يجعل آلاف الناس ذوي أحسن نية يتعثرون. إنهم يصوبون أبصارهم إلى الأعلى ملتمسين وهم لا يوجسون أنه لا حاجة لهم إلا بأن ينظروا بلا كد أمامهم وحولهم. فسيدركون أنهم واقفون في سواء السبيل لمجرد وجودهم الأرضي وأنه ليس عليهم إلا أن يسيروا إلى الأمام برصانة! وذلك بلا عجلة ولا كد ولكن بعينين مفتوحتين وبال حر غير متحيز! لا بد للإنسان أن يتعلم أخيرا أن العظامة الحقيقية لا تكمن إلا في أكثر المسارات بساطة وطبيعة وأن العظامة تستلزم هذه البساطة.

وهذه هي الحال السائدة في الخليقة وكذلك الحال في الإنسان بنفسه الذي ينتمي إلى الخليقة باعتباره جزءا منها!

إنهما التفكير والشعور البسيطان اللذان من شأنهما أن يوافياه بالوضوح! وأعني بذلك البساطة التي ما زال الأولاد يتميزون بها! وعن طريق التدبر الرصين سيدرك أن البساطة، وفقا لمقدرة إدراك المفاهيم، مطابقة للوضوح وكذلك للسلوك الطبيعي! فلا تنفصل هذه المفاهيم الثلاث عن بعضها البعض. إنها تمثل نغمة ثلاثية تعبر عن مفهوم واحد. من وضعها حجر الأساس لبحثه عن الحقيقة سرعان ما يخترق كل ما يتسم باللبس الغامض بما يتهاوى كذلك كل ما أضيف اصطناعيا إلى البناء الطبيعي.

إن الإنسان ليدرك أنه لا يجوز في أي مكان بالقضاء على المسار الطبيعي كما أن هذا المسار ليس منقطعا في أي مكان من أماكن الخليقة! وذلك ينم على حد سواء عن جلالة الله وعن الحيوية غير القابلة للزحزحة التي تتميز بها مشيئة الله الخلاقة التلقائية! إذ أن النواميس الطبيعية هي قوانين الله المتصلبة التي هي ماثلة للعيان على وجه الدوام أمام جميع الناس شاهدة بعظامة الخالق وذات الانتظام غير القابل للتغيير بدون استثناء! بدون استثناء! إذ من بذرة الخرطال لا يتطور إلا الخرطال كما أن بذرة القمح لا يتمخض إلا عن القمح إلخ.

وكذلك الحال في تلك الخليقة الأولى التي هي، باعتبارها عمل الخالق، أقرب ما تكون إلى كماله. وفيها تكون النواميس الأساسية متأصلة بقدر أنها، مدفوعة من قبل حيوية مشيئة الله، استتبعت حتما وعلى نحو طبيعي تماما نشأة سائر الخليقة من الأعلى إلى الأدنى لغاية هذه الأجرام. فكلما ابتعدت الخليقة في تطورها عن كمال الأصل كلما ازدادت كثافة وخشونة. –

لننظر أولا إلى الخليقة.

تصوروا أن كل الحياة الموجودة فيها لا تتألف إلا من نوعين مهما كان الجزء الذي توجد فيه. إن أحدهما هو النوع الواعي ذاته، أما النوع الآخر فهو النوع غير الواعي ذاته. ومن الضروري أن نعلق أهمية قصوى على مراعاة هذين النوعين المختلفين! إذ أن ذلك الأمر يتعلق «بأصل الإنسان». كما يكون هذا الاختلاف في هذين النوعين الحافز على التطور، على الصراع الظاهري. إن كل ما هو غير واع يكون رقيقة كل ما هو واع إلا أنهما من نفس النوع تماما من حيث تشكيلتهما. أما عملية التحول من حالة غير واعية إلى حالة واعية فهي عبارة عن تقدم وتطور لكل ما هو من النوع غير الواعي الذي يستمر يحثه التعايش مع كل ما هو واع على أن يتحول كذلك إلى هذه الحالة الواعية.

إن الخليقة الأولى بعينها لتمخضت على التوالي متطورة من الأعلى إلى الأدنى عن ثلاث انشقاقات أساسية عظيمة: أما الانشقاق الأعلى والأسمى فهو الحيز الروحي، الخليقة الأصلية، الذي يعقبه الحيز الجوهري الذي هو أكثر كثافة وبذلك أكثر ثقلا كلما ابتعد عن حدود الحيز الروحي. ويلحق بالحيز الجوهري الانشقاق الأخير والأدنى الذي هو أثقل أجزاء الخليقة نتيجة لكثافته القصوى، ألا وهو ملكوت المادة الفسيح الذي نزل إلى الأدنى شيئا فشيئا منفصلا عن الخليقة الأصلية! وبذلك لم يتبق في أعلى المستويات إلا النوع الروحي الأصلي باعتباره النوع الأعلى في الخليقة لأنه يجسد بحكم نوعه أكثر أنواع الخليقة خفة ونورا. إنه الجنة الدائر ذكرها على ألسنة كثيرة، تاج كل ما هو مخلوق.

وبنزول الأجزاء التي تزداد كثافة كلما ابتعدت عن أصلها نمس ناموس الثقل الذي ليس متأصلا في المادة فحسب وإنما يكون ذا فاعلية في الخليقة بأسرها، بدءا مما يسمى بالجنة إلى أن يصل الأدنى حيث نمكث نحن.

ويكون ناموس الثقل غاية في الأهمية والخطورة لدرجة أن كل إنسان كان لزاما عليه أن يرسخه في ذهنه، إذ أنه الرافعة الرئيسية في مسار الروح البشرية وتطورها.

سبق لي ذكر واقعة أن هذا الثقل لا ينحصر في الأنواع الدنيوية فحسب وإنما يكون فعالا على نحو متساو في تلك الأجزاء من الخليقة أيضا التي لم يعد بشر الأرض يستطيع أن يبصروها الأمر الذي جعلهم يبادرون إلى تسميتها بالآخرة.

وفي سبيل تيسير إدراك هذا الأمر علي أن أقسم المادة إلى قسمين، إلى المادة الأثيرية والمادة الكثيفة. أما المادة الأثيرية فهي تلك المادة التي لا يمكن أن تظهر للعين المادية نتيجة لنوعها المتباين. وعلى الرغم من ذلك إلا أنها ما زالت تعد من المادة.

ولا يجوز لنا أن نخلط بين ما يسمى «بالآخرة» والجنة المنشودة التي هي روحية بحتة. كما لا يجوز أن ننظر إلى مفهوم «روحي» على أنه مترادف لمفهوم «فكري» بل يعبر مفهوم الروحي عن نوع كما يمثل كل من الجوهري والمادي نوعين مختلفين. إذن فيسمى هذه المادة الأثيرية بالآخرة لأنها على الجانب الآخر من قدرة الإبصار بمعنى أنها تتجاوز على قدرة الإبصار الدنيوية. أما المادة الكثيفة فهي تضم كل ما يعد من نوع دنيوي الذي يظهر لعيوننا الكثيفتي المادة على أساس تجانس الأنواع.

ويستحسن أن يقلع الإنسان عن النظر إلى أشياء غير مرئية له على أنها غير معقولة بل غير طبيعية. إن الكل يتميز بالطابع الطبيعي بما فيه ما يسمى بالآخرة وما تبعد عنها أبعادا، أي الجنة.

كما أن الجسم الكثيف المادة يستجيب لبيئته التي هي من نوع متجانس له والتي يستطيع لذلك أن يبصرها ويسمعها ويحس بها كذلك الحال في تلك الأجزاء من الخليقة التي لا يجانس نوعها عالمنا الكثيف المادة. أما الإنسان الأثيري المادة المقيم في ما يسمى بالآخرة فلا يحس ولا يسمع ولا يبصر إلا محيطه الأثيري المادة المتجانس له، كما أن الإنسان الروحي الذي هو من نوع أسمى لا يحس إلا بمحيطه الروحي.

ورغم ذلك يجري في هذه الحالة أو تلك أن رب مواطن أرضي يبصر أو يسمع بجسمه الأثيري المادة الذي يحمل في نفسه المادة الأثيرية قبل أن ينفصل عن الجسم الكثيف المادة نتيجة لمماته. فلا تكمن أية صفة غير طبيعية في ذلك.

وبالإضافة إلى ناموس الثقل يتعاون معه في فعاليته ناموس تجاذب الأنواع المتجانسة الذي يتبوأ نفس المكانة من حيث أهميته.

وقد سبق لي أن مسسته أعلاه بقول إن كل نوع لا يدرك إلا النوع المتجانس له. ويبدو أن مثلي: «إن الطيور على أشكالها تقع» و«إن هذا الشبل من ذاك الأسد» يعزوان إلى هذا الناموس الأصلي حيث شعر الناس بوجوده. فإنه ساري المفعول مع ناموس الثقل في الخليقة برمتها.

وإلى جانب هذين الناموسين يكون ناموس ثالث متأصلا في الخليقة: ألا وهو ناموس التفاعل. إنه ينعكس على الإنسان بشكل أنه مضطر اضطرارا حتميا إلى حصد ما كان يبذره وقتئذ. فيتعذر عليه أن يحصد القمح إذا بذر الجاودار ولا أن يحصد البرسيم إذا بذر نباتات شائكة. وكذلك الحال في العالم الأثيري المادة. فهناك يستحيل عليه أن يحصد آخر الأمر الطيبة إذا شعر بالحقد ولا أن يبتهج حيثما غذى الحسد في نفسه!

إن هذه النواميس الأساسية الثلاثة تمثل أعاليم للمشيئة الإلهية! إنها هي وحدها التي تحدث بعدالة صارمة الثواب أو العقاب للروح البشرية! وذلك على نحو غير قابل للرشوة وبأروع وأرق وجوه التدريج بقدر أن فكرة في أطف صورة من الظلم في سير حوادث العالمين العظيم يغدو مستحيلة.

ويوصل مفعول هذه النواميس البسيطة كل روح بشرية تماما إلى المكان الذي ينتمي إليه بمقتضى وقفته الداخلية. أما إمكانية الوقوع في خطأ بهذا الخصوص فتكون مستحيلة لأن انعكاس هذه النواميس لا يمكن أن يحركه إلا صميم الإنسان الذي يحركه من الناحية الأخرى حتما وبأي حال من الأحوال! إذن فيتطلب انعكاس هذه النواميس القوة الروحية الموجودة في الإنسان المرتسمة بمشاعره كرافعة لتحريكها! ولن تبدي كل الأشياء الأخرى أي مفعول في سبيل تحريك هذه النواميس الثلاثية. ولهذا السبب لا يعتبر حاسما لما يتطور للإنسان في العالم غير المرئي له الذي لا بد له أن يدخله بعد مماته الأرضي إلا نيته الحقيقية أي شعور الإنسان.

فهناك لا يغني عنه التظاهر ولا أية صورة من صور الغرور بنفسه! إذ ثمة كتب عليه أن يحصد حتما ما كان يبذره بنيته! إنه حتى يحرك، بحسب قوة أو ضعف نيته بالضبط، التيارات المتجانسة لها في العالمين الأخرى سواء أكان الحقد أو الحسد أو المحبة. إن ذلك يجري على نحو طبيعي وبسيط تماما ولكن بمفعول حديدي من العدالة المتصلبة!

من حاول أن يتعمق بجدية في هذه الوقائع الجارية في الآخرة سيدرك ما أكثر العدالة غير القابلة للرشوة ما تكمن في هذه التلقائية من النواميس الأصلية بما سيشهد في ذلك الأمر من حيث هو عظامة الله اللا تدرك. فلا حاجة لله أن يتدخل بعد أن أصل مشيئته، وبذلك صفة الكمال، على شكل نواميس في الخليقة.

من عاد في صعوده إلى ملكوت الروح قد تطهر، إذ كان لا بد قبل دخوله الحيز الروحي أن يجتاز كل الطواحين التلقائية للمشيئة الإلهية وإلا لما وصل إلى مقربة من الله إذ لا يوجد طريق آخر إليها. أما مسألة كيف تعمل الطواحين في الروح البشرية يعتمد على طويتها، أي النية المتميزة بها. فإنها قد ترفعها إلى المرتفع النوري مسببة لها منتهى السعادة كما، من الناحية الأخرى، قد تسحبها، مسببة آلاما لها، إلى عتمة الهول بل حتى إلى الإبادة التامة. –

ولنأخذ في الحسبان أن الروح البشرية التي أصبحت جاهزة للتجسد في الدنيا حيث قد نالت درجة معينة من النضوج تحمل معها عند ولادتها الدنيوية غلافا أو جسما أثيري المادة كانت تحتاج إليه في خلال سيرها عبر المادة الأثيرية. ولن ينصرف عنها بل يبقى مرتبطا بها طيلة وجودها في الأرض باعتبارها حلقة وصل بينها وبين الجسم الأرضي. أما ناموس الثقل فيسري مفعوله الرئيسي دائما على أكثر الأجزاء كثافة وخشونة. وطوال الحياة الأرضية إذن على الجسم الأرضي. ولكن بعد مماته ينطلق هذا الجسم الأثيري المادة من جديد بما يخضع، خاليا من أية حماية، وباعتباره في هذه اللحظة أكثر الأجزاء خشونة، يخضع هذا الجسم لناموس الثقل الأثيري المادة هذا إذن.

إذا قيل إن الروح تشكل جسمها يصح هذا القول من حيث الجسم الأثيري المادة. إذ يرسي صميم الإنسان، أي نيته الحقيقية، الدعائم لذلك.

إن النية والإرادة تحتويان على قوة تشكيل الأثيري المادة. فمن خلال النزوع إلى ما هو أدنى وخسيس أو إلى مجرد اللذات الدنيوية يصبح الجسم الأثيري المادة كثيفا وبذلك ثقيلا ومظلما لأن الوفاء بمثل هذه الرغبات يقتصر على المادة الكثيفة. وهكذا يقيد الإنسان نفسه بما هو خشن ودنيوي. ونستتبع شهواته الجسم الأثيري المادة بمعنى أنه يبلغ في تشكله من الكثافة أنه يقرب أكثر ما يكون إلى نوع الجسم الكثيف المادة الأمر الذي يتيح له الفرصة الوحيدة للاشتراك في لذات وشهوات دنيوية حالما مات الجسم الكثيف المادة. وحتم على كل الذين يتطلعون إلى ذلك أن تهووا انسجاما مع ناموس الثقل.

أما الناس الذين يلقون بالهم إلى كل ما هو أسمى وأشرف فيختلف بهم الأمر. إذ تنسج نيتهم وإرادتهم تلقائيا جسمهم الأثيري المادة أخف وبذلك أكثر نورا حتى يتسنى لهؤلاء الناس أن يصلوا إلى مقربة من كل ما يرمون بقصدهم إليه! يعني إلى طهارة المرتفع النوري.

وبعبارة أخرى: من خلال مرمى الروح البشرية يتجهز في الوقت نفسه الجسم الأثيري المادة الموجود في الإنسان الأرضي بحيث أنه يستطيع بعد ممات الجسم الأرضي أن يرمي إلى هذا المرمى مهما كان نوعه. ففي هذه الحالة تشكل الروح جسمها فعلا. إذ تحتوي نيتها باعتبارها كائنة من الناحية الروحية على قوة أن تستفيد مما هو من الأثيري المادة. ويتعذر على الإنسان على الإطلاق أن يتهرب من هذه الواقعة الطبيعية. بل إنه يحركها بكل مراد سواء أتروق له أم لا. وتظل هذه الأشكال تلتصق به طالما يغذيها بإرادته وشعوره. فإنها ترقيه أو تصده بحسب نوعها الذي يرضخ لناموس الثقل.

ولكن إذا غير نيته أو شعوره تنشأ أشكال جديدة على الفور بينما يتعين على الأشكال السائدة إلى حد القرار الجديد أن تموت وتفنى افتقارا إلى التغذية الضرورية لها. وبذلك يغير الإنسان مصيره على السواء.

وحالما زال وجود التأصل الدنيوي بممات الجسم الدنيوي يهوي الجسم الأثيري المادة المنطلق أو تعوم مثل فلين نحو المادة الأثيرية التي تسمى بالآخرة. وتجاوبا مع ناموس الثقل سيمسك في ذلك المكان تماما الذي يساويه ثقلا. ثم لا يمكن له أن يتقدم لا إلى الأعلى ولا إلى الأسفل. فهناك يعثر بطبيعة الحال على المتجانسين له إذ يقتضي التجانس في الأنواع التجانس في الأثقال والتجانس في الأثقال يقتضي على وجه بديهي التجانس في الأنواع. فحسب ما كان الإنسان بنفسه إما سيعاني من المتجانسين له أو سيسر بهم إلى أن تغير في داخله من جديد، ومع تغيره هذا يتماشى تغير جسمه الأثيري المادة الذي سيوصله حتما وتحت مفعول ثقله المتغير إلى موقع أعلى أو أدنى منه كان يستقر فيه قبل تغيره الداخلي.

وعليه لا يجوز للإنسان أن يشكو ولا حاجة له أن يشكر، إذ في حالة رفعه نحو النور مرده إلى طبيعته المتميزة به التي تستتبع لزاما ارتفاعه، وإذا، من الناحية الأخرى، يهوي إلى الظلمة مرده أيضا إلى حالته المتميزة به التي ترغمه على ذلك.

ولكن ينبغي على كل إنسان أن يمدح الخالق نظرا للكمال الكامن في مفعول هذه النواميس الثلاثة. فبواسطتها جعل الخالق الروح البشرية حاكما مستبدا على مصيرها لأن نيتها الحقيقية، أي حالتها الداخلية غير الزائفة، ترقيها أو تهوي بها حتما.

وإذا حاولتم أن ترسموا في أذهانكم صورة واقعية لهذه النواميس الأصلية الثلاثة، كل واحدة على حدة وكلها في تشابكها، ستكتشفون أنها تحتوي لكل إنسان على الثواب أو العقاب، النعمة أو الهلاك وذلك بالمقياس الدقيق الدقة حسب حالة الإنسان الداخلية. ويجري كل ذلك على نحو أبسط ما يكون مظهرا عند كل نية جدية يبديها الإنسان حبل النجاة التي لا يمكن أبدا أن يتمزق أو يتعطل. إن عظامة مثل هذه البساطة هي التي تجعل الإنسان المدرك قسرا يسجد أمام جلال الخالق العظيم!

وفي كل ما يجري في الخليقة وفي كل ما أقوله لا ننقطع نعثر بوضوح وجلاء على مفعول هذه النواميس البسيطة التي يتعين علي أن أبين تشابكها الرائع في محاضرات لاحقة على وجه خصوص.

إذا كان الإنسان على علم بهذا التشابك ينبسط بذلك أمامه السلم المدرج المؤدي إلى ملكوت الروح النوري، أي الجنة. ولكنه يرى على حد سواء الطريق المؤدي نحو الأسفل، إلى الظلمة!

وحتى لا حاجة له أن يخطو هذه الخطى بنفسه بل إن التروس التلقائية ترفعه إلى الأعلى أو تهوي به إلى الأسفل حسب ضبطه لهذه التروس من خلال حياته الداخلية.

فمسألة ما هو الطريق الذي يسنده تعتمد دائما وفي كل الحالات على قراره هو.

وفي ذلك على الإنسان أن لا يسمح للمستهزئين بأن يربكوه.

إذ أن النظر الفاحص لا يحدد الشك والهزوء إلا بأنهما رغبات منطوقة. فينطق كل شكاك دون أن يكون على وعي من ذلك بما يرغب فيه كاشفا بذلك للنظر الباحث عن صميمه. إذ يختفي وراء الإنكار والدفاع على السواء رغبات كامنة في عمق النفس الأمر الذي يمكن للمرء أن يدركه بسهولة ويسر. فبئس الإهمال والفقر الروحي اللذين ينكشفان أحيانا لدى مثل هذا الفحص، إنه يبعث على الحزن أو حتى على الاشمئزاز والاغتياظ لأن الإنسان، في حالات غير نادرة، يضع نفسه هكذا بالذات دون مستوى كل حيوان جاهل من حيث حالته الداخلية. وينبغي أن نشفق على أولئك الناس ولكن دون أن نتسامح معهم، إذ أن التسامح في ذلك لعبارة عن تفضيل الخمول على الاستكناه الجدي. فمن يلتمس الحقيقة بجدية يتوجب أن يقتصد في التسامح وإلا سيضر آخر الأمر نفسه دون أن يغيث غيره من الناس بذلك.

ولكن بالعرفان المتزايد سيقف متهللا أمام معجزة مثل هذه الخليقة حتى يرتفع واعيا إلى المرتفعات النورية التي يحق له أن يعتبرها وطنه!

* بالنسبة لهذا الموضوع ستتطرق محاضرات لاحقة إلى المزيد من الفروع.